و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

ليس الأمر مبالغة لغوية حين يقال إننا نعيش في زمن «الغث»، بل هو توصيف يكاد يلامس جوهر التحول الذي أصاب بنية القيم والمعرفة معًا؛ إذ لم يعد «الغث» مجرد رداءة عابرة، بل صار نمطًا سائداً، يفرض منطقه على الذوق العام، ويزاحم «السمين» حتى يكاد يخنقه في مهده.

تأمل المشهد من حولك: وفرة هائلة في المحتوى، لكن شح فادح في المعنى، ضجيج لا ينقطع، لكن صمت عميق في الفكر، لم تعد المشكلة في قلة الإنتاج، بل في انفجار الإنتاج بلا معايير، حتى صار التافه مرئياً أكثر، والمبتذل أسرع انتشارا، والعميق غريبا في موطنه، إنها مفارقة العصر؛ حيث تقاس القيمة بعدد المشاهدات، لا بعمق الفكرة، ويحتفى بالسطحي لأنه سهل الهضم.

هذا «الغث» لم يهبط علينا فجأة، بل هو نتاج تراكمي لتحولات ثقافية وإعلامية واقتصادية؛ حيث تراجعت سلطة المعرفة أمام سطوة «الترند»، وتآكلت المعايير لصالح ما يحقق الانتشار السريع، الإعلام، في كثير من صوره، لم يعد حارسا للوعي بقدر ما أصبح تابعا لمعادلات السوق، والثقافة لم تعد مشروعا تنويريا بقدر ما صارت سلعة قابلة للاستهلاك السريع.

لكن الأخطر من ذلك ليس وجود «الغث»، بل اعتيادنا عليه، حين يصبح الرديء مألوفا، يفقد الإنسان قدرته على التمييز، ويتبلد حسه النقدي، فيتساوى عنده الرفيع والهابط، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: ليست في العالم، بل في وعينا به.

وإذا كان هذا الطوفان من «الغث» قد تجاوز حدود الذوق إلى تهديد بنية الوعي ذاته، فإن الاكتفاء بالرصد أو النقد لم يعد كافيا، بل بات يستدعي موقفا حاسمًا يعيد الانضباط إلى المجال العام، من هنا تبرز ضرورة ملحة لتأسيس كيان رقابي مستقل، لا يخضع لسلطات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أو لاعتبارات النقابات المهنية، بل يتمتع بولاية واضحة ومعايير صارمة، ليكون ضابطا فعليا لا شكليا، ورادعا حقيقيا لا مجرد إطار بيروقراطي.

إن الفوضى التكنولوجية التي نعيشها لم تعد مجرد مساحة حرية غير منضبطة، بل تحولت إلى بيئة خصبة لترويج التفاهة، وتضليل الوعي، وتآكل القيم، وهو ما يفرض وجود جهة قادرة على فرض معايير مهنية وأخلاقية حقيقية، دون أن تقع في فخ الوصاية أو خنق حرية التعبير، المعادلة الدقيقة هنا ليست في التضييق، بل في ضبط الإيقاع؛ ليس في المنع المطلق، بل في وضع حدود فاصلة بين حرية مسؤولة وانفلات مدمر.

إن المجتمع الذي يترك بلا ضوابط في فضائه الإعلامي والرقمي، لا يلبث أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال العبث، حيث تختلط الحقيقة بالزيف، والمعرفة بالادعاء، والقيمة بالهشاشة، ومن ثم، فإن المطالبة بكيان رقابي مستقل ليست ترفا تنظيميا، بل ضرورة وجودية لحماية وعي المجتمع، وصون بنيته الثقافية من الانهيار تحت وطأة هذا السيل الجارف من الرداءة.

الامن القومي

ولا تقف خطورة هذه الفوضى عند حدود الذوق أو انحدار الخطاب، بل تمتد لتلامس صميم الأمن القومي في أكثر مستوياته حساسية؛ إذ تتحول المساحات الرقمية المنفلتة إلى منصات مفتوحة لبث الشائعات، وتزييف الوعي، وإرباك الرأي العام، بما يخلق بيئة قابلة للاختراق والتوجيه من قوى معادية أو مصالح عابرة للحدود، هنا لا يعود الأمر مجرد محتوى رديء، بل سلاح ناعم يعيد تشكيل الإدراك الجمعي، ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة، ويفكك التماسك المجتمعي من الداخل، إن الأمن القومي لم يعد يصان فقط على الحدود، بل يصان أيضا في العقول؛ وحين تترك هذه العقول فريسة للفوضى الرقمية، فإن الخطر يتسلل في صمت، أشد فتكا من أي تهديد تقليدي، لأنه يستهدف الأساس الذي تقوم عليه الدولة: وعي شعبها وقدرته على التمييز.

ومع ذلك، لا ينبغي الانزلاق إلى نزعة تشاؤمية مطلقة؛ فالتاريخ لم يخل يوما من صراع بين الغث والسمين، الفرق فقط أن أدوات النشر اليوم تضخم الغث وتمنحه حضورا طاغيا، لكنها في الوقت نفسه تتيح للجاد أن يجد طريقه ولو بصعوبة، المسألة إذن ليست حتمية، بل معركة مفتوحة، يتحدد مآلها بقدرة الأفراد والنخب على إعادة الاعتبار للمعنى، وإحياء حس النقد، واستعادة معيار الجودة.

وفي النهاية نعم نعيش في زمن يفيض بالغث، لكننا لسنا مضطرين لأن نكون جزءًا منه

تم نسخ الرابط