السقوط فى فخ داعش وجبهة النصرة
تشديد الرقابة على فروع «لافارج» لمواد البناء بعد إدانتها بتمويل الإرهاب
تسببت فضيحة تمويل الإرهاب في هز ثقة المستثمرين والأسواق العالمية في مجموعة «لافارج» لمواد البناء، حيث أدت الأحكام القضائية الصادرة ضد الشركة إلى تراجع حاد في قيمة الأسهم.
ولم تقتصر الأضرار على الخسائر المادية المباشرة، بل امتدت لتشمل مخاوف لدى صناديق الاستثمار الكبرى بشأن معايير الحوكمة والامتثال الأخلاقي داخل فروع الشركة العابرة للحدود، مما وضع لافارج تحت مراقبة الهيئات الرقابية الدولية وأدى إلى إعادة تقييم شاملة لمخاطر الاستثمار في كيانات واجهت اتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية.
أدانت محكمة جنايات فرنسية شركة لافارج للأسمنت ومواد البناء بتهمة تمويل الإرهاب، في قضية وصفت بأنها إدانة تاريخية لشركة دولية متعددة الجنسيات بتهمة التواطؤ مع جماعات إرهابية مسلحة.
تعد شركة لافارج واحدة من أعرق الشركات الفرنسية في قطاع مواد البناء، حيث تأسست عام 1833 على يد «أوجين لافارج» وبدأت فى انتاج الجير وشاركت في مشروعات تاريخية كبرى مثل مشروع قناة السويس. بمرور السنوات تحولت إلى عملاق عالمي يمتلك فروعا في أكثر من 60 دولة حول العالم، ويعمل بها نحو 63 ألف موظف.
وفي عام 2015، اندمجت مع شركة «هولسيم» السويسرية لتشكيل مجموعة «لافارج هولسيم»، التي تعد الأكبر عالمياً في إنتاج الأسمنت برأس مال وأصول تُقدر بعشرات المليارات من اليوروهات.
وترتبط القضية بفرع الشركة في سوريا، المعروف باسم «لافارج سيمنت سوريا»، والذي أدار مصنعاً للأسمنت في منطقة "الجلبية" شمال البلاد. وبدأت الأزمة مع اندلاع الحرب السورية، حيث اتُهمت الشركة بدفع مبالغ مالية ضخمة لجماعات مسلحة، على رأسها تنظيم داعش وجبهة النصرة، لضمان استمرار تشغيل المصنع وتأمين مرور الموظفين والمواد الخام عبر نقاط التفتيش التابعة لهذه التنظيمات بين عامي 2013 و2014.
إمبراطورية مواد البناء
وأشارت التحقيقات إلى أن لافارج دفعت ما يقرب من 5.9 مليون دولار عبر وسطاء لتلك الجماعات الإرهابية، كما قامت الشركة بتزويد التنظيمات بمواد بناء وتسهيلات لوجستية، مما جعل القضاء الفرنسي يوجه للشركة تهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وتمويل جماعات إرهابية وهي سابقة قضائية تاريخية لشركة مدنية.
وواجهت الشركة عواقب وخيمة نتيجة هذه الاتهامات؛ ففي عام 2022، أقرت لافارج بالذنب أمام وزارة العدل الأمريكية ووافقت على دفع غرامة بلغت 777.8 مليون دولار. أما في فرنسا، فقد استمرت الملاحقات القضائية لسنوات، وفي أبريل 2026، أصدرت محكمة جنايات باريس أحكاماً بإدانة الشركة وفرض غرامات باهظة، مع صدور أحكام بالسجن ضد عدد من كبار مسؤوليها التنفيذيين السابقين لتغاضيهم عن هذه الممارسات غير القانونية مقابل الحفاظ على الأرباح.
تتمتع شركة لافارج بانتشار جغرافي واسع يجعلها واحدة من أضخم الإمبراطوريات الصناعية في تاريخ مواد البناء، حيث كانت تدير قبل اندماجها مع «هولسيم» شبكة فروع ضخمة تمتد في 61 دولة عبر القارات الخمس. وتتوزع هذه الفروع بين أوروبا، وأفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، وتضم أكثر من 1500 موقع إنتاجي، بما في ذلك مصانع الأسمنت، ومحطات الخرسانة الجاهزة، ومحاجر الحصى، مما مكنها من الاستحواذ على حصة سوقية هائلة وتوظيف ما يزيد عن 63 ألف عامل حول العالم.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد ركزت لافارج استثماراتها في الأسواق الناشئة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث امتلكت فروعاً كبرى في مصر والجزائر والمغرب والأردن والعراق ونيجيريا، بالإضافة إلى فرعها المثير للجدل في سوريا. وبالرغم من أن فرع «لافارج سوريا» كان يمثل جزءاً صغيراً من أصول الشركة العالمية، إلا أنه تسبب في أكبر أزمة قانونية وتاريخية في مسيرة الشركة، مما أدى لاحقاً إلى إعادة هيكلة شاملة للفروع تحت المظلة الجديدة لمجموعة هولسيم لتعزيز الرقابة والحوكمة.








