و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

الحج المقصود فى العنوان ليس دينيا طبعا، بل سياسي واقتصادي وتكنولوجي وتاريخي، وبعد ذهاب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إلى الصين، ذهب الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، كانت الزيارة الروسية مخططة ومجدولة قبل لقاء "ترامب" مع الرئيس الصيني "شي جين بينج"، وفيما انشغل الإعلام الأمريكي والغربي عموما بمقارنات حول مراسم الاستقبالين، وإيفاد الرئيس الصيني لنائبه فى استقبال "ترامب"، فيما كان وزير الخارجية الصيني كالعادة فى استقبال "بوتين"، وسألوا "ديمتري بيسكوف" المتحدث باسم "الكرملين" عن المغزى، وكان جوابه أن التركيز على محتوى ومضمون الزيارة هو الأهم.

فهذه واحدة من عشرات الزيارات التي قام بها "بوتين" إلى الصين، ورد الرئيس الصيني بأكثر من عشر زيارات إلى موسكو، وفى مجمل اللقاءات المشتركة بين الرئيسين الروسي والصيني، يبرز اللقاء الشهير على هامش الأولمبياد الشتوي فى "بكين" أوائل فبراير 2022، والبيان المشترك التاريخي الذى صدر وقتها فى 4 فبراير 2022، أي قبل عشرين يوما لا غير من قرار "بوتين" غزو أوكرانيا، وجاء فيه وصف علاقة موسكو وبكين بأنها "بلا حدود"، والاتفاق على تفكيك الهيمنة الأمريكية الأحادية، وصياغة عالم متعدد الأقطاب.

التصرفات الأحادية

وهو نفس ما نلحظه فى الكلمات المتبادلة المذاعة من لقاءات القمة الصينية الروسية الأخيرة، وتأكيد الرئيس الصيني على رفض الهيمنة والتصرفات الأحادية، وأعاد الرئيس الصيني عبارته المثيرة التي قالها للرئيس الروسي فى لقاء بموسكو أوائل عام 2023، وهى أننا بصدد لحظة فاصلة ونادرة فى تاريخ العالم خلال المئة سنة الأخيرة، وفى لقاء "بوتين" و "شي" الأخير، جرى وصف علاقة موسكو وبكين بأنها شراكة استراتيجية كاملة، ولا يبدو الوصف مغاليا، فلولا الدعم الصيني القوى متعدد الوجوه، ما كان بوسع "موسكو" أن تصمد وتتحدى وتتجاوز عشرات الآلاف من العقوبات الاقتصادية التي فرضها "الغرب الجماعي"، ولا كان بوسع الاقتصاد الروسي أن يواصل ويزيد قفزات التنمية رغم تواصل حرب أوكرانيا، التي تواجه فيها روسيا تحالفا مضادا من 54 دولة، تتجاوز جغرافيا الغرب الأوروبي والأمريكي إلى غيرها من قوى الولاء الغربي فى آسيا كاليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وغيرها.

ولولا دعم تقنى صيني هائل، ما كان بوسع موسكو أن تتوسع فى صناعة أسلحتها وصواريخها ومسيراتها، التي وصلت إلى أربعة أمثال ما ينتجه الغرب كله فى المقابل، وهو ما مكن موسكو من الحفاظ على وتيرة تقدمها فى الأراضي الأوكرانية خلال الحرب التي دخلت عامها الخامس قبل شهور، وبما مكن "بوتين" من إحداث شرخ فى علاقات حلف شمال الأطلنطي "الناتو"، واستمالة "ترامب" إليه فى "قمة ألاسكا"، وترك حلفاء "الناتو" الأوروبيين وحدهم تقريبا فى ميدان الحرب ضد موسكو، ونجحت "لعبة بوتين" فى تغذية الانقسام الأمريكي الأوروبي، وساعدته حماقات "ترامب"، وإهاناته الفظة للرئيس الأوكراني "فلوديمير زيلينسكى" أواخر فبراير 2025.

ثم إهاناته للقادة الأوروبيين مجتمعين فى قاعة مكتبة "البيت الأبيض" بعدها، ثم ذهاب "ترامب" إلى تصعيد حماقاته، وصناعة الأزمات مع "كندا"، ثم مع الحلفاء الأوروبيين فى أزمة جزيرة "جرينلاند"، وهو ما ضاعف من معدلات قلق وتمرد حلفاء أمريكا فى شبكة "الناتو"، وكان من النتائج الملموسة بعد لجوء "ترامب" إلى عقاب الآخرين بسلاح زيادة الرسوم الجمركية، أن توجهت "كندا"، وحلفاء أمريكا الأوروبيين، فى رحلات حج إلى الصين، التي تدافع عن قواعد التجارة الحرة والعادلة، وتؤمن بأولويات البيئة المستقرة، والعلاقات المحصنة من المفاجآت والصدمات.

كانت الصين تبرز أكثر صفتها كقائد عالمي مسئول وقادر، وهو ما دفع قادة "كندا" والأوروبيين إلى طلب ود الصين، التي نجحت فى تحدى "ترامب" ومضاعفات رسومه الجمركية وإجراءاته الحمائية المفرطة، التي لم تفده فى ردع الصعود الصيني الصناعي والتقني والتجاري، وحققت الصين كعادتها فائضا تجاريا كبيرا فى علاقتها مع واشنطن، وكان الفائض التجاري لصالحها فى عام "ترامب " الأول، وبفارق يتجاوز كثيرا رقم الخمسمائة مليار دولار، بل وحققت الصين فائضا تجاريا عالميا يتجاوز رقم 1200 مليار دولار، وتجاوز حجم صادراتها العالمية رقم الثلاثة تريليونات دولار.

كانت الصين تثبت مجددا جدارتها كمصنع العالم الأول وتاجره الأغنى، وحيازتها لأكثر من ثلث مجموع التجارة العالمية، وبدا أن الصين لا يقف فى طريقها شيء، ومنذ أن بدأ صعودها المذهل أوائل ثمانينيات القرن العشرين، مع السياسة الاقتصادية الجديدة الفريدة، التي قال عنها مؤسسها "دينج هسباو بينج" قولته الأشهر "لا يهم لون القطة بيضاء كانت أو حمراء، المهم أن تصيد الفئران"، وقد كان، وقفزت تجارة الصين ذات الحكم الشيوعي من مبلغ إجمالي قدره عشرة مليارات دولار إلى ما هي عليه اليوم.

دخلت الصين مباراة العولمة التي تبنتها أمريكا، وحققت فيها فوزا كاسحا، دفع الرئيس الأمريكي الحالي "ترامب" إلى لجوء لإجراءات حماية ومضاعفة جنونيه لـالرسوم الجمركية على الواردات، ودونما أمل ظاهر فى لجم الصعود الصيني، ولا فى صنع إنتاجية كبرى للاقتصاد الأمريكي، الذى تحول إلى "اقتصاد كازينو" ومضاربات أسهم فى البورصات، وضعف للاقتصاد الحقيقي العيني، والقفز بميزانية الحرب إلى ما يتجاوز تريليون دولار سنويا، تخطط إدارة "ترامب" لزيادتها إلى تريليون ونصف التريليون دولار سنويا فى الموازنة المقبلة.

ورغم أن حساب الأرقام المجردة لايزال يعطى أمريكا مكانة الاقتصاد الأول عالميا، بينما تجئ الصين صوريا فى مرتبة الاقتصاد الثاني عالميا، إلا أن إعادة النظر تكشف خلل الترتيب المصنوع بالأرقام المجردة، فقبل سنوات، كانت تقارير "صندوق النقد الدولي"، وبحسب معيار تبادل القوى الشرائية، تحجز للصين مكانة الاقتصاد الأول عالميا، ثم أن حساب الأرقام المجردة ذاته، يحجز للصين مكانة الاقتصاد الأول فى غضون سنوات قليلة مقبلة، فيما يسود التشاؤم بصدد الاقتصاد الأمريكي، الذى تتجاوز ديونه الداخلية والخارجية اليوم رقم 39 تريليون دولار، وبما يحجز لأمريكا مكانة المدين والمفلس الأعظم فى مطلق التاريخ الإنسان، بينما تتمتع الصين بفوائض فلكية صافية، تعطى لها مكانة المانح الأول والمقرض الأول فى الدنيا كلها.

ومن الاقتصاد إلى السياسة، يتطور الأداء الصيني العالمي، فقد رفدت "بكين" تفوقها الاقتصادي التقني بتفوق عسكري متزايد، وببناء شبكة علاقات عالمية عنوانها الثقة وتبادل المنافع، وبصياغة إطارات عمل دولي متزايد الفعالية، سواء فى توسيع "البريكس" أو فى "تحالف شنجهاى" وغيره، مع تركيز على الامتداد "الأوراسى" شاملا لروسيا، ودونما تراجع عن أولوياتها القومية فى استعادة جزيرة "تايوان"، وقد بدا "ترامب" متراجعا بعد لقائه الأخير مع الرئيس الصيني، وقال أنه قد يعيد النظر فى صفقات الأسلحة الأمريكية إلى "تايوان"، وأنه لا يشجع قادتها على إعلان الاستقلال عن الصين، بينما تواصل الصين طريقها بصبر وثقة، ولا تبدى تراجعا من أي نوع فى خط استعادة "تايوان "الصينية ولو بالقوة، وتراقب ما يفعله الخصم الأمريكي، وتريد استنزاف اقتصاده فى النفقات العسكرية.

وفى سعيه الذى يبدو قدريا بإشعال الحروب فى كل مكان، ومن "أوكرانيا" إلى "إيران" مرورا بغزوات أمريكا فى "بحر الكاريبي" وأمريكا اللاتينية عموما، وهو ما تصفه "بكين" بأنه سعى لإحلال "شريعة الغاب" محل القانون الدولي، بينما تبدو أمريكا مجبرة على السعي فى طريق العسكرة والحروب، فليس بوسعها أن تجارى الصين، أو أن تحفظ تفوقها الاقتصادي والتقني والتجاري، وتكاد واشنطن تحس غريزيا بقرب انزلاقها من فوق كرسي الهيمنة العالمية.

كسر الهيمنة

وتتصرف غريزيا بهياج صاخب، وتكسر ما تبقى من قواعد اللعبة الدولية بخشونة وفظاظة، و"ترامب" بحالته الموصوفة، قد يكون أوفى وأدق تعبير عن المأزق الذى تجد أمريكا نفسها محشورة فيه اليوم، ولا تجد سبيلا للتصرف إلا بالإيغال فى الهياج الجنوني، وعلى طريقة تصرف الثيران الهائج لحظة ذبحها، والذى يسميه المصريون تندرا بحالة "حلاوة الروح".

واستنزاف طاقة الأمريكيين فى الهياج الحربى، مما قد ينطوي على مصلحة مباشرة للصعود الصيني، الذى يتحدث اليوم عن صياغة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب متوازن المصالح، يبدأ باسترداد أولوية قواعد النظام العالمي المتفق عليه بعد الحرب العالمية الثانية، وردع الانفلات الأمريكي، وبأساليب متداخلة، من كسر الهيمنة الأمريكية بتصويت "الفيتو" فى مجلس الأمن، وإلى تقديم عون اقتصادي وحتى عسكري للدول المستهدفة بالعدوان والحروب الأمريكية، وعلى نحو ما جرى ويجرى فى الحرب الأمريكية "الإسرائيلية" على إيران، وهو ما فشل "ترامب" فى إثناء الصين عنه خلال رحلة حجه الأخيرة إلى بكين، التي تصمم على وقف الحرب بعد إدانتها، وفتح "مضيق هرمز"، وإنهاء الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية.

تم نسخ الرابط