و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

شاهدت فيلم "أسد" بطولة محمد رمضان وكنت أتمنى أن أحظى بتجربة سينمائية تاريخية قوية تجمع بين الإنتاج الضخم والدقة التاريخية.

الفيلم من إخراج وتأليف المخرج محمد دياب وهو أحد أبرز المخرجين المصريين الذين حققوا شهرة دولية، درس التجارة ثم عمل في أحد البنوك الأجنبية، قبل أن يترك الوظيفة ويتوجه إلى الولايات المتحدة عام 2005 ليدرس كتابة السيناريو في أكاديمية نيويورك للأفلام، ثم بدأ مسيرته ككاتب سيناريو لأفلام تجارية ناجحة مثل "الجزيرة"، ومن ثم قدم أول عمل إخراجي له "678" (2010) الذي تناول قضية التحرش الجنسي، وتلاه "اشتباك" (2016) الذي صُوّر بالكامل داخل سيارة شرطة أثناء أحداث ما بعد الثورة. كما أخرج حلقات مهمة من مسلسل Moon Knight لمارفل مما جعله أول مخرج عربي يقود عملاً بهذا المستوى العالمي.

في "أسد"، الذي شارك في تأليفه مع أخته شيرين دياب وأخيه خالد دياب، قدم عملاً فنياً متقناً من الناحية الإنتاجية؛ التصوير، الديكورات، المواقع، الصوت، والمؤثرات البصرية كلها تعكس جهداً كبيراً وطموحاً يقترب من المستوى العالمي. في هذا الجانب يستحق الفيلم الإشادة، لكن… وآه من "ولكن" كبيرة جداً.

هناك تشويه تاريخي متعمد، حيث تدور أحداث الفيلم في أواسط القرن التاسع عشر (حوالي 1840) في نهاية عهد محمد علي وبداية عهد إبراهيم باشا ثم سعيد. هنا تكمن المشكلة الأساسية: الأحداث التاريخية المقدمة في الفيلم مزورة إلى حد كبير.

نعم، كانت تجارة الرقيق موجودة في مصر، لكن مصادرها الرئيسية كانت التجارة من جنوب السودان ومناطق الحبشة وليست "قرصنة" بحرية درامية كما يُصوّر. سعيد باشا أصدر مرسوماً عام 1856 بمنع تجارة الرقيق، ونقل التجار نشاطهم إلى مناطق خارج السيطرة المباشرة مثل "كاكا"، ثم جاء الخديوي إسماعيل (1863) واتخذ إجراءات أكثر صرامة؛ حارب التجار، أنشأ نقاط مراقبة على النيل، وضبط عشرات السفن المحملة بالرقيق، وأخيراً وقعت مصر اتفاقية مع بريطانيا عام 1877 لإنهاء هذه التجارة.

الفيلم يصور السلطة المصرية -على خلاف الحقيقة- غير جادة في محاربة الرق وكأنها تشبه الولايات الجنوبية في أمريكا قبل الحرب الأهلية. هذا التصوير مضلل ويغفل الجهود الحقيقية التي بُذلت.

ثم عن معاملة العبيد والعنف فحدث ولا حرج؛ يبالغ الفيلم في تصوير المعاملة الوحشية (القتل، التعذيب اليومي) كأمر شائع وممنهج. لا أدعي أن المصريين كانوا ملائكة؛ كان هناك أسياد قساة كما في كل عصر، لكن القانون كان يعاقب على القتل والتعذيب الشديد، وكانت هناك أحكام بالدية والجلد والإجبار على العتق، ثم في عهد إسماعيل ومع تطور القضاء المدني أصبح العبيد والأحرار سواسية أمام القانون في كثير من الجرائم. لم تكن الوحشية "الأمريكية" هي القاعدة في المجتمع المصري.

الخبث الأيديولوجي

وكذلك فإن الفيلم لا يخلو من الخبث الأيديولوجي.

الأخطر من ذلك كله هو الرسالة الأيديولوجية المتعمدة؛ يحاول الفيلم ربط تجارة الرقيق بالـ"صناعة الإسلامية" من خلال مشاهد يردد فيها النخاسون "عليه الصلاة والسلام" أثناء ارتكاب الجرائم. هذا تصوير مقصود يهدف إلى تشويه الدين. والحقيقة واضحة؛ الإسلام لم يخلق مصادر جديدة للرق، بل واجه واقعاً موجوداً في كل الحضارات آنذاك، بل إنه فتح أبواباً واسعة للعتق. والدليل القاطع على ذلك قول الله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}. هذه الآية تُظهر بوضوح أن أسرى الحرب ليسوا ملكاً دائماً، وأن الخيار بين المنِّ (الإطلاق المجاني) والفداء مفتوح. ولو التزم المسلمون بهذا الحكم منذ البداية، لانتهى الرق نهائياً في فجر الإسلام.

أما النهاية فهي قمة الخبث: حيث يلقي البطل سيفه ويمشي عاري الصدر باتجاه الوالي في مشهد هوليوودي درامي، يصدر الوالي أمر الإعدام فيرفض الخادم الأسود تنفيذه فيُقتل، ثم يتدخل ولي العهد ليضع الوالي أمام خيارين؛ إما وقف القتل أو قتل ولي عهده، في النهاية تُمنح الحرية كمنحة من الحاكم وليست حقاً مكتسباً بانتصار في معركة حقيقية.

هذه الفكرة خبيثة وخطيرة، فهي تعكس الرؤية الغربية الليبرالية التي ترى الحرية "هبة" تُعطى من الأعلى وليست حقاً يُنتزع بالنضال والدم. المغزى الخفي واضح؛ لو أخذ العبيد حريتهم بانتصار حقيقي ورجل لرجل لكانت حرية مكتسبة لا يستطيع أحد سلبها، أما أن تُمنح لهم كتفضل من الوالي فهي منحة يمكن سحبها في أي لحظة، هذا بالضبط ما يريد الفيلم أن يزرعه في عقول المشاهدين.

وفي الختام، فإن تصوير المجتمع المصري في القرن التاسع عشر بهذه الصورة القميئة، وربط العبودية بالدين الإسلامي، وتقديم الحرية كهبة حاكم وليست حقاً مكتسباً، كل ذلك يُعد جرائم فنية وثقافية وتاريخية متراكبة. إن الفيلم يقدم سرداً أمريكياً-غربياً مُطبَّقاً قسرياً على السياق المصري بدلاً من صورة معقدة وصادقة.

لا أنكر أن مصر تحتاج أفلاماً تاريخية كبيرة، لكنها تحتاج أيضاً إلى صدق وأمانة مع تاريخها وهويتها. "أسد" يمتلك الإمكانيات الإنتاجية لكنه يفتقر إلى الأمانة، وهذا ما يجعله عملاً مشكوكاً في نواياه.

تم نسخ الرابط