و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في زمنٍ لم تعد فيه الشهرة حكراً على الموهبة أو الإنجاز، فرضت وسائل التواصل الاجتماعي واقعاً جديداً أعاد تعريف مفاهيم النجاح والانتشار والتأثير فبضغطة زر، يمكن لأي شخص أن يتحول إلى صانع محتوى، وبمقطع قصير قد يصبح حديث الجمهور، بغض النظر عمّا يقدمه من قيمة فكرية أو ثقافية،وبينما تبدو هذه الظاهرة للوهلة الأولى تعبيراً عن ديمقراطية التعبير، فإنها تخفي خلفها أزمة أعمق تتعلق بالوعي، والمعايير، والمسؤولية الاجتماعية.
لقد منحت منصات التواصل الاجتماعي الأفراد مساحة غير مسبوقة للظهور، وكسرت احتكار الإعلام التقليدي، وفتحت الباب أمام أصوات كانت مهمّشة غير أن هذه المساحة المفتوحة، في غياب الضوابط المهنية والثقافية، تحولت لدى كثيرين إلى ساحة سباق محموم نحو الشهرة، حيث أصبح الترند غاية بحد ذاته، لا وسيلة لطرح فكرة أو تقديم محتوى هادف.
في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح: ماذا أقدم؟ بل: كيف أحقق أكبر عدد من المشاهدات؟
وهنا بدأت ملامح أزمة المحتوى تتشكل، مع تصاعد موجة من المواد السطحية والمثيرة للجدل، التي تعتمد على الصدمة، أو الاستفزاز، أو الابتذال، باعتبارها أقصر الطرق لجذب الانتباه. بعض صناع المحتوى لا يترددون في تجاوز القيم العامة أو الذوق العام، طالما أن ذلك يضمن لهم انتشاراً أوسع وحضوراً أكبر في فضاء رقمي تحكمه الأرقام.
الأخطر من انتشار هذا النوع من المحتوى هو تحوله إلى نموذج يُحتذى بة، خاصة لدى فئات الشباب. فحين يرى المتلقي أن الشهرة تُنال دون جهد حقيقي، وأن النجاح يقاس بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة أو جودة الطرح، تتراجع قيمة العمل الجاد، وتُختزل الثقافة في مشاهد عابرة لا تترك أثراً يُذكر. وهكذا، يصبح السعي إلى الانتشار هدفاً مستقلاً عن أي معنى أو رسالة.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن آليات عمل المنصات نفسها فخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي لا تكافئ المحتوى الأكثر قيمة، بل الأكثر جذباً للتفاعل وما يحقق مشاهدات أعلى يُمنح انتشاراً أوسع، بغض النظر عن مضمونه. وبهذا المعنى، تعمل المنصات بمنطق تجاري بحت، يضع الانتباه في صدارة الأولويات، دون اعتبار لتأثير المحتوى على الوعي الجمعي أو الذوق العام.
مع ذلك، فإن تحميل المنصات أو صناع المحتوى وحدهم المسؤولية يبقى تبسيطاً للمشهد. فالجمهور شريك رئيسي في هذه المعادلة. فالمتلقي الذي يشاهد، ويشارك، ويعلّق، هو من يمنح هذا المحتوى شرعيته واستمراره. وفي ظل استهلاك متسارع للمحتوى، بات كثير من المستخدمين أسرى لما يُقدَّم لهم، دون ممارسة أي قدر من الانتقاء أو النقد، ما ساهم في ترسيخ ثقافة الاستهلاك السريع والسطحية.
هذه الظاهرة في جوهرها تعكس أزمة أعمق من مجرد تفاهة رقمية إنها أزمة وعي وقيم، حيث جرى ربط النجاح بالشهرة، والقيمة الإنسانية بالظهور، والتأثير بعدد المتابعين وفي مجتمع يعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، تصبح السوشيال ميديا ملاذاً سريعاً لتحقيق الاعتراف والقبول، حتى لو كان ذلك على حساب المضمون.


ورغم هذا المشهد، لا أنكر أن الفضاء الرقمي بة تجارب جادة ومحتوى نوعي يقدم معرفة حقيقية، وتحليلات عميقة، بل وإبداعاً فنياً راقياً. غير أن هذه الأصوات غالباً ما تواجه صعوبات في المنافسة داخل بيئة تفضّل السرعة والإثارة، وتمنح الأولوية لما يحقق التفاعل الآني على حساب المحتوى الهادف والعميق. وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مستقبل المحتوى الجاد في عصر تحكمه الخوارزميات.

الشهرة والقيمة 


يبقى السؤال الأهم: هل يمكن استعادة التوازن بين الشهرة والقيمة؟
الإجابة مرهونة بإعادة تعريف دور كل طرف في هذه المنظومة: صانع محتوى يدرك مسؤوليته، وجمهور يختار بوعي، ومنصات تُدرك أن تأثيرها يتجاوز حدود الترفيه إلى تشكيل الوعي العام. فالسوشيال ميديا، في نهاية المطاف، ليست سوى أداة، وما نراه اليوم هو انعكاس لطريقة استخدامها.
وما لم يُعاد الاعتبار للمعنى، سيظل الانتشار غاية بلا مضمون، والشهرة رقماً بلا قيمة، في فضاء رقمي يزداد اتساعاً… ويزداد فراغاً.

تم نسخ الرابط