بلاد الرافدين، مهد أقدم الحضارات الإنسانية على وجه الأرض، التي تحولت إلى ساحة مفتوحة للدمار والقتل والفوضى، باجتياح القوات الأمريكية عام 2003، حرب قدمت حينها للعالم بأنها عملية "تحرير" لجلب الديمقراطية والاستقرار في العراق؛ لكن ما حدث على الأرض كان مختلفا تماما.
حرب دفع المدنيون العراقيون ثمنها حتى يومنا هذا، حرب من أكثر الحروب قسوة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط؛ فوفقا لتقديرات مشروع Iraq Body Count، الذي يوثق القتلى المدنيين منذ الغزو الأمريكي للعراق، كشف المشروع الذي وصف عدد الضحايا بالكارثة، ذاكرا أن الحرب الأمريكية على العراق خلفت أكثر من 200 ألف قتيل من المدنيين العراقيين بشكل مباشر نتيجة العمليات العسكرية والهجمات المرتبطة بالحرب.
وفي دراسة أخرى نشرتها مجلة The Lancet الطبية البريطانية عام 2006، ذكرت أن إجمالي الوفيات المرتبطة بالحرب الأمريكية في العراق وصل إلى أكثر من 600 ألف شخص خلال السنوات الأولى للاحتلال الأمريكي للعراق، كما نشر مشروع Costs of War التابع لجامعة براون الأمريكية، أن الحرب الأمريكية على العراق أسفرت عن مقتل ما يزيد على 300 ألف مدني عراقي بشكل مباشر، فضلا عن ملايين الجرحى والنازحين.
لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة؛ فخلف كل رقم حكاية عائلة مدمرة وبيت خربته الحرب، فخلال سنوات الاحتلال الأمريكي، شهد العراق سلسلة طويلة من المجازر والانتهاكات التي وثقتها التقارير الدولية والشهادات الميدانية؛ ففي الفلوجة عام 2004، وقصف دموي مكثف خلال عمليتين عسكريتين أمريكيتين، أدى إلى تدمير أحياء كاملة وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، صور للدمار خرجت لتظهر المدينة شبه المدمرة.
ليضطر عشرات الآلاف من سكانها إلى النزوح هربا من القصف والمعارك حينها، وفي مجزرة أخرى عام 2005، قتل 24 مدنيا عراقيا بينهم نساء وأطفال على يد جنود من مشاة البحرية الأمريكية بعد انفجار عبوة ناسفة استهدفت دوريتهم _ أظهرت التحقيقات فيما بعد، أن الضحايا لم يكونوا مسلحين، بل قتلوا داخل منازلهم أو أثناء محاولتهم الاحتماء من إطلاق النار، في حادثة أصبحت رمزا للغضب الشعبي في العراق.
ومن بين أكثر الصفحات قتامة في سجل الاحتلال الأمريكي كانت فضيحة سجن أبو غريب عام 2004، وتسريبات وصور من داخل السجن صدمت العالم حينها؛ معتقلون عراة، مقيدون، يتعرضون للإهانة والتعذيب الجسدي والنفسي على يد جنود أمريكيين.. تلك الصور لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية، بل دليلا صريحا على حجم الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون العراقيون داخل سجون تديرها القوات الأمريكية، كما وثقت تقارير منظمات حقوقية عديدة حالات اعتداءات جنسية وانتهاكات جسيمة بحق المعتقلين داخل مراكز الاحتجاز.
تقارير الصليب الأحمر الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، أشارت إلى أن المعتقلين العراقيين تعرضوا للإجبار على التعري، وتهديدات بالاعتداء الجنسي، وأشكال مختلفة من الإذلال الجنسي، ممارسات وانتهاكات خطيرة لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، قام بها الجنود الأمريكان في سجن أبو غريب.
ولم تقتصر المأساة على السجون؛ فعمليات المداهمة الليلية للمنازل أصبحت مشهدا مألوفا في العديد من المدن العراقية، حيث كانت القوات الأمريكية تقتحم البيوت بحثا عن مطلوبين، فيخرج الرجال والنساء والأطفال تحت تهديد السلاح، بينما تعيش العائلات لحظات من الرعب والمهانة، وفي كثير من الأحيان، كانت هذه العمليات تنتهي باعتقال أشخاص دون توجيه تهم واضحة، أو بإطلاق النار بسبب سوء التقدير أو الخوف.
أكذوبة لا تنتهي
لم يكتف جنود الاحتلال الأمريكي بعملياتهم الإجرامية بحق المدنيين، بل استخدموا الفسفور الأبيض في معارك الفلوجة، المادة الحارقة المحرمة دوليا، ضربوا بها مناطق مأهولة بالسكان العراقيين، ما أثار مخاوف كبيرة بسبب آثارها المدمرة على البشر والبيئة حينها.. لتظهر آثارها بعد السنوات التي تلت تلك المعارك، وفقا لأطباء محليين تحدثوا عن ارتفاع معدلات التشوهات الخلقية والأمراض الخطيرة في بعض المناطق التي ضربها الأمريكان بالفسفور الأبيض المحرم دوليا.
حرب لم تدمر المدن فقط، بل مزقت النسيج الاجتماعي للعراق؛ أدت فوضى أعقبت الغزو، ما أدى إلى اندلاع صراعات طائفية دامية، ليضطر ملايين العراقيين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار هربا من العنف.
بينما كانت الولايات المتحدة تتحدث عن إعادة بناء العراق، فكانت بلاد الرافدين تغرق أكثر في دوامة العنف والانهيار المؤسسي؛ مستشفيات تئن تحت ضغط الجرحى، ومدارس تتحول أحيانا إلى ملاجئ للنازحين، ومدن كاملة تعيش سنوات تحت ظل الخوف والدمار.. أزمات خلقتها الحرب على العراق؛ ظهور الإرهاب والتمزق الاجتماعي، إلى جانب الأزمات الاقتصادية.. ومازال العراق بعد أكثر من عقدين على الغزو، لا يزال يحمل آثار تلك السنوات الثقيلة.
حكاية بلد وجد نفسه فجأة في قلب حرب لم يخترها؛ عائلات فقدت أبناءها، أجيال نشأت في ظل الحرب بدلا من الاستقرار.. مأساة تلك الحرب مازال العراق يدفع ثمنها حتى يومنا هذا.. حرب قدمت للعالم بأنها خطوة نحو الحرية، لكن العراقيين يرونها اليوم فصلا داميا من تاريخهم؛ فصلا امتلأ بالدموع والدماء والذكريات التي يصعب أن تمحى من ذاكرة العراقيين.








