في السنوات الأخيرة، لم تعد الدراما المصرية تكتفي بسرد الحكايات العائلية التقليدية، بل اتجهت بوضوح إلى تفكيك القضايا الاجتماعية والنفسية التي تشغل الرأي العام، خصوصًا تلك المرتبطة بتماسك الأسرة وتحولاتها في المجتمع المعاصر، وفي هذا السياق، يبرز مسلسلا «أب ولكن» و«كان يا ما كان» كعملين يضعان قضية الانفصال وتداعياته الإنسانية والقانونية تحت المجهر.
يرصد مسلسل «أب ولكن» رحلة أب يجد نفسه في مواجهة أزمة أسرية مؤلمة تعيد تشكيل ملامح حياته بالكامل، وبين قرارات قانونية معقدة وصراعات نفسية متصاعدة، يكشف العمل عن التحولات العميقة التي قد تصيب علاقة الأب بأبنائه بعد تفكك الأسرة. فالأب هنا لا يواجه فقط معركة قانونية، بل يواجه أيضًا أسئلة وجودية تتعلق بالهوية والدور والمسؤولية، في محاولة للحفاظ على حضوره النفسي والعاطفي في حياة أبنائه رغم تغير الظروف.
بينما مسلسل «كان يا ما كان» فيقترب من زاوية أخرى شديدة الحساسية، حيث تدور أحداثه حول صراع على الحضانة عقب انفصال زوجين بعد خمسة عشر عامًا من حياة اتسمت بالرتابة الظاهرية، ومن خلال هذا الصراع، يسلط العمل الضوء على التداعيات النفسية العميقة التي يتركها الانفصال على أطراف الأسرة، خاصة الأطفال الذين يجدون أنفسهم في قلب نزاع قانوني وعاطفي لا يملكون أدوات فهمه أو التعامل معه.
الروابط الأسرية
ومن منظور نفسي، تكشف هذه الأعمال عن حقيقة مهمة أفادت أن الانفصال لا يعني فقط نهاية علاقة زوجية، بل قد يفتح أبوابًا معقدة من القلق، والارتباك العاطفي، وإعادة تشكيل الروابط داخل الأسرة، فالطفل في مثل هذه الظروف لا يعيش مجرد تغيير في السكن أو الروتين اليومي، بل يمر بمرحلة حساسة من إعادة تعريف مفهوم الأمان والانتماء.
اللافت هنا أن الدراما هنا تتجاوز حدود الترفيه، لتصبح مساحة للنقاش المجتمعي حول قضايا شائكة مثل قوانين الحضانة، ودور الأب بعد الانفصال، ومسؤولية المجتمع في حماية الصحة النفسية للأطفال، وهي قضايا لم تعد حبيسة الجدران الأسرية، أو أورقة المحاكم الأسرية بل أصبحت جزءًا من حوار عام يتقاطع فيه القانون مع علم النفس ومع تحولات المجتمع.
وهكذا تظل الدراما المصرية، في أفضل تجلياتها، قادرة على تحويل القصص الشخصية إلى مرآة أوسع تعكس أسئلة المجتمع وهمومه، وتفتح الباب أمام فهم أعمق للعلاقات الإنسانية في زمن تتغير فيه ملامح الأسرة بوتيرة متسارعة.








