و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

العبرة بالصافي لا بالمسميات

الأطباء يرفضون قرار «مدبولي».. وأخصائي: أجورنا تدهورت من 45جرام ذهب لأقل من جرامين

موقع الصفحة الأولى

رفضت نقابة الأطباء قرار رئيس الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء بإقرار مزايا مالية لأعضاء المهن الطبية، قائلة إن تحسين الأوضاع المالية للأطباء وزيادة دخولهم بما يتناسب مع طبيعة مسئولياتهم المهنية وحجم الأعباء الملقاة على عاتقهم، يأتي في مقدمة مطالبها المستمرة، وأن الارتقاء بالمنظومة الصحية يبدأ بتوفير أجر عادل يكفي احتياجات الطبيب ويضمن له حياة كريمة.

وقالت النقابة العامة للأطباء إن حافز الأداء ومكافأة النوبتجيات الوارين في قرار رئيس الوزراء الأخير لأعضاء المهن الطبية، دون مستوى التطلعات والاحتياجات الفعلية للأطباء، ولا يمثلا تحسنا حقيقيا يتناسب مع الأعباء المتزايدة التي يتحملونها، أو مع طبيعة عملهم وما يقدمونه من جهود وتضحيات على مدار الساعة.

وأكدت نقابة الأطباء أن أزمة دخول الأطباء لا يمكن معالجتها بزيادات مالية محدودة أو حوافز ترتبط بمعايير تقييم الأداء فحسب، وإنما تتطلب رؤية متكاملة لإصلاح هيكل الأجور، تضمن تحقيق زيادة حقيقية ومستدامة في الدخل، وتراعي سنوات الدراسة والتدريب والتخصص، وحجم المسؤولية الطبية، وظروف العمل الشاقة، خاصة في أقسام الطوارئ والرعاية المركزة والنوبتجيات.

كما طالبت "الأطباء" بتطبيق اللائحة المالية المعمول بها بالهيئة العامة للرعاية الصحية على جميع الأطباء سواء العاملين بوزارة الصحة والسكان أو التأمين الصحي العادي أو غيرها، لتحقيق العدالة بين جميع الأطباء العاملين في مختلف جهات المنظومة الصحية، ويحد من الفجوات الكبيرة في الدخول بين زملاء يؤدون مهام مهنية متقاربة ويتحملون مسئوليات متشابهة.

ولفتت إلى أن الحد الأدنى لدخل الطبيب المقيم بهيئة التأمين الصحي الشامل يتراوح بين 12 و14 ألف جنيه، في المقابل، يحصل الطبيب المقيم بوزارة الصحة على نحو 8 آلاف جنيه، في الوقت الذي يتراوح فيه دخل الأخصائي في التأمين الصحي الشامل بين 16 و20 ألف جنيه وفقا للأقدمية، وقد يصل إلى 24 ألف جنيه، بينما يحصل الأخصائي في وزارة الصحة على نحو 8700 جنيه.

اما دخل الاستشاري في التأمين الصحي الشامل فوصل إلى حوالي 30 ألف جنيه، ويحصل الاستشاري في وزارة الصحة ما بين 9 آلاف جنيه، و10 آلاف جنيه، الأمر الذي يعكس تفاوتا واضحا يستدعي مراجعة هيكل الأجور وتحقيق العدالة بين الأطباء في مختلف جهات المنظومة الصحية.

وكان الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أصدر قرارا بناءً على موافقة مجلس الوزراء، بإقرار مزايا مالية لأعضاء المهن الطبية، وذلك بمنح أعضاء المهن الطبية المخاطبون بأحكام القانون 14 لسنة 2014 بتنظيم شئون أعضاء المهن الطبية العاملين بالجهات التابعة لوزارة الصحة والسكان من غير المخاطبين بقوانين أو لوائح خاصة، والعاملين بالمستشفيات الجامعية والإدارات الطبية ومستشفيات الطلبة بالجامعات الذين يسرى عليهم أحكام الفصل الخامس من القانون، مزايا مالية، وهي: حافز أداء 750 جنيهًا شهريًا لأعضاء المهن الطبية، ومكافأة إضافية مقابل الجهود غير العادية المبذولة في نوبتجيات السهر والمبيت لكل من: الاستشاري وما يعادله، والاخصائي وما يعادله، ومساعد إخصائي وما يعادله، والطبيب المقيم وما يعادله، الطبيب المكلف، الصيدلي، أخصائي تمريض، أخصائي تكنولوجيا العلوم الصحية والتطبيقية، فني تمريض، فني صحي وفقاً لحاجة العمل.

وقال الدكتور محمد سعد إمام، أخصائي طب وجراحة العيون، إن وزارة الصحة أعلنت بدء صرف حزمة مالية جديدة للأطباء مع راتب نوفمبر 2026، تتضمن حافزًا شهريًا قدره 750 جنيهًا وزيادة في مقابل النوبتجيات بنحو 25%، ووصفت الوزارة هذه الخطوة بأنها استثمار في الكوادر الطبية، كما سلطت الضوء على ما يتقاضاه أعضاء المهن الطبية عبر قانون مستقل، وبدل مخاطر، وبدلات عدوى وتفرغ، ومقابل نوبتجيات، وحافز طوارئ.

صافي دخل الطبيب

وتابع "إمام" لـ «الصفحة الأولى» أن من يطالع هذه المسميات قد يتصور أن الأطباء يعيشون في رفاهية، غير أن التساؤل الحقيقي الذي يشغل بال الطبيب هو: كم يتبقى في يده صافيًا بنهاية الشهر، وماذا يستطيع أن يشتري به؟

وأوضح: عند حساب قيمة الزيادة في ظل أسعار الذهب حيث يسجل عيار 21 نحو 6200 جنيه، نجد أن الحافز الجديد لا يشتري سوى نحو 0.12 جرام، أي أقل من ثُمن الجرام، والأكثر من ذلك أن هذا الحافز غير مضمون، إذ يشترط لصرفه كاملًا تقييم أداء لا يقل عن 90%، ويُصرف بنسبة 85% لمن يتراوح تقييمهم بين 70% وأقل من 90%.

وبعد خصم التأمينات والضرائب، تنكمش الزيادة الإجمالية لتصل إلى ما بين 500 و600 جنيه فقط شهريًا حسب الشريحة الضريبية. أما نوبتجية السهر للطبيب المقيم، فلا تزيد بعد الزيادة عن 185 جنيهًا (قبل الاستقطاعات). والأدهى من ذلك أن هذا المبلغ الهزيل قابل للتقييم شهريًا، ما يجعله عرضة للنقصان أو الإلغاء، ويفقده عنصر الاستدامة الذي يمكن الاعتماد عليه في مواجهة الأعباء الثابتة.

وأكد أخصائي طب وجراحة العيون أن نقابة الأطباء تقدر دخل الطبيب المقيم بوزارة الصحة بنحو 8 آلاف جنيه، وهو ما يتقاطع مع الحد الأدنى للأجور الذي بلغ 8000 جنيه بدءًا من يوليو 2026. وفي المقابل، يتراوح دخل الطبيب المقيم في منظومة التأمين الصحي الشامل بين 12 و14 ألف جنيه، وهو ما يعكس فجوة واضحة داخل المنظومة الصحية الواحدة.

وقد دفع هذا الوضع بعض الأطباء للجوء إلى القضاء للمطالبة بفروق الحد الأدنى للأجور؛ لأن كادر الأطباء الصادر بالقانون رقم 14 لسنة 2014 حدد أجر طبيب الامتياز بـ2600 جنيه وأجر المقيم بين 7000 و9000 جنيه، ما جعلهم خارج نطاق الحد الأدنى الذي تطبقه الحكومة، ومع تجميد الأجور على الأساسي منذ 2014-2015، تآكلت قيمتها تدريجيًا بفعل التضخم، لاسيما منذ تعرّض الجنيه لعمليات التعويم المتتالية بدءًا من عام 2016.

وذكر "إمام" واقعة لتلخيص هذا التراجع، ففي يونيو 2026، أعلنت مستشفيات جامعة المنصورة عن تقاضي 2500 جنيه من أطباء الامتياز مقابل السكن والوجبات، في وقت لا يتجاوز فيه أجر طبيب الامتياز 2600 جنيه، ولم تتراجع الجامعة عن قرارها إلا إلى 500 جنيه بعد احتجاجات الأطباء الشباب.

وقدم "إمام" مقارنة تاريخية توضح مدى التراجع الحاد في القوة الشرائية لأجور الأطباء مقارنة بالعقود السابقةحقبة الستينيات: كان الحد الأدنى للعامل في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر نحو 5 جنيهات شهريًا، تكفي لشراء نحو 34 كجم من اللحم، وفي عام 1970، بلغ راتب الخريج الجامعي المبتدئ 17 جنيهًا، وهو ما كان يشتري نحو 45 جرامًا من الذهب.

اما في فترة ما قبل 2011 حتى 2013، فقد استقر راتب الطبيب حديث التخرج عند نحو 900 جنيه أي ما يعادل تقريبًا 3.1 جرام ذهب، وفي عام 2014، ارتفع الأجر إلى 2000 جنيه، معادلًا قرابة 8.5 جرام ذهب.

ويضيف أنه في السنوات اللاحقة: تراجعت القيمة تدريجيًا لتصل إلى 3500 جنيه في 2019 (5.2 جرام)، ثم 3700 جنيه في 2022 (3.5 جرام)، وصولًا إلى 7000 جنيه في 2024 (حوالي 2 جرام).

وحاليا، في عام 2026، فقد وصل أجر الطبيب عند مستوى 8000 جنيه، والذي لا يشتري سوى نحو 1.3 جرام من الذهب.

وبهذا المعنى، يشتري طبيب الامتياز اليوم أقل من نصف جرام، بينما كان خريج عام 1970 يشتري 45 جرامًا. وعلى سبيل المثال، يتقاضى الاستشاري، وهو أعلى درجة وظيفية في السلم الطبي، نحو 300 جنيه عن نوبتجية الفترة من 2 ظهرًا إلى 8 مساءً، و425 جنيهًا عن النوبتجية الليلية، وبحد أقصى أربع نوبتجيات شهريًا.

أعباء إضافية على الأطباء الشباب

ولفت أخصائي طب وجراحة العيون، إلى ان ضعف أجور الأطباء، يأتي بالتزامن مع تضاعف الضغوط بصدور قرارات تنظيمية جديدة، مثل قرار وزير الصحة رقم 280 لسنة 2026 بشأن تجديد ترخيص مزاولة المهنة، والذي يشترط استيفاء 50 نقطة تطوير مهني سنويًا، وحضور دورات تدريبية، وتقديم شهادة اشتراك في صندوق التأمين ضد الأخطاء الطبية.

وأكد أنه على الرغم من أهمية التعليم المستمر، فإن فرضه دون توفير المؤتمرات والدورات المجانية في كافة المحافظات يلقي بأعباء مالية جسيمة على كاهل طبيب يعجز أصلًا عن تغطية نفقاته المعيشية.

وقال "إمام" إن الأطباء لديهم مطالب عاجلة، أهمها ربط الأجور بمعدلات التضخم الحقيقية لمنع تآكلها المستمر، ودمج البدلات الثابتة ضمن الأجر الأساسي، وتوحيد منظومة الأجور بين الجهات التابعة لوزارة الصحة وهيئة التأمين الصحي الشامل، وتعديل شروط ترخيص مزاولة المهنة بحيث تتحمل الوزارة تكاليف الدورات والمؤتمرات المطلوبة وتُعتبر مأموريات رسمية مدفوعة الأجر، وإعادة النظر في هيكل الأجور مقارنة بالقطاعات الأخرى لضمان العدالة الوظيفية.

وأكد أخصائي طب وجراحة العيون، أن الأطباء، وخاصة الشباب منهم، يدركون تمامًا دقة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، ولا يرفضون مبدأ الزيادات المتدرجة، لكن تقديم زيادة تعادل أقل من ثُمن جرام ذهب لا تنجح في تضييق الفجوة ولا تعيد التوازن المنشود، فقبل نصف قرن، كان الطبيب الشاب يستطيع بمرتبه شراء عشرات الجرامات، واليوم بالكاد يشتري أقل من جرامين، فالاستثمار الحقيقي في الكوادر الطبية ليس ترفًا إداريًا، بل هو ضرورة حتمية لقطاع حساس يتعامل مع أرواح البشر، وتظل حمايته في صميم الأمن القومي.

تم نسخ الرابط