مقايضات القرن الأفريقي
إثيوبيا تطرح مبادرة «النيل مقابل البحر الأحمر» ومصر ترد: لا نقبل المساومة
فى محاولة لربط مشكلة سد النهضة وازمة البحر الأحمر، أطلق وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، تصريحات أثارت جدلاً واسعاً، دعا فيها مصر إلى دعم مساعي بلاده الحبيسة للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، والمساهمة في تمويل بناء سدود جديدة، مقابل فتح الباب أمام تفاهمات وتنازلات محتملة بشأن ملف مياه نهر النيل وقواعد تشغيل السدود.
وتأتي هذه الخطوة الإثيوبية بمثابة مقايضة علنية تسعى من خلالها أديس أبابا إلى ربط حق مصر التاريخي والوجودي في المياه بطموحاتها السيادية والتوسعية في البحر الأحمر.
وتستهدف المحاولة الإثيوبية تفعيل مذكرة التفاهم المثيرة للجدل التي وقعتها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي للحصول على شريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً لقاعدة عسكرية وميناء تجاري.
ومن ناحية أخرى، تهدف أديس أبابا من هذه المقايضة التملص من الضغوط الدولية لفرض اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، ومحاولة تصوير القاهرة في القارة الأفريقية على أنها الطرف الذي يعرقل التنمية. ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن التصريحات الإثيوبية تحمل "استعراضاً مرفوضاً للقوة"، يهدف إلى فرض أمر واقع جديد يتجاوز الاتفاقيات التاريخية المنظمة لحوض النيل.
رد مصري حاسم
في المقابل، جاء الرد المصري - السوداني المشترك حاسماً وصارماً برفض هذه المقايضة جملة وتفصيلاً. وتؤكد القاهرة في أدبياتها السياسية أن "النهر ليس مقابل البحر"، وأن الأمن المائي المصري وحصة مصر التاريخية في مياه النيل هي مسألة سيادة ووجود لا تقبل المساومة أو الربط بملفات خارجية.
كما شدد الجانبان المصري والسوداني، خلال اجتماعات آلية التشاور المشتركة، على الرفض القاطع لأي ترتيبات تتيح لدولة غير مطلة على البحر الأحمر الوصول إليه على حساب سيادة الدول المشاطئة وسلامة أراضيها، في إشارة واضحة لحماية سيادة الصومال الشقيق. وتوضح الرؤية المصرية أنها لا تعارض التنمية الإثيوبية أو استخدام الموانئ لأغراض تجارية وفق القوانين الدولية، ولكنها ترفض أي خطوات أحادية تمس الأمن المائي لبلاد المصب أو تزعزع الاستقرار العسكري والسياسي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
يُذكر أن التوترات زادت حدتها بعد انتقادات وجهها الوزير الإثيوبي للمشروعات المائية المصرية التاريخية مثل السد العالي وتوشكى، زاعماً أنها نُفذت دون موافقة بلاده.
ويرى خبراء الأمن القومي أن هذا التداخل المتعمد للأزمات من قِبل إثيوبيا لن يفتح مساراً للتفاهم، بل سيسهم في توسيع دائرة الصراع؛ فالقاهرة لا تملك وحدها معالجة المشكلة الجغرافية لدولة حبيسة، وأديس أبابا لم تقدم في المقابل أي مرونة حقيقية لضمان عدم الإضرار بالأمن المائي المصري. وتبدو هذه المقايضة بمثابة معركة دبلوماسية جديدة تُضاف إلى سجل الخلافات المعقدة في المنطقة، مما يضع استقرار القرن الأفريقي أمام اختبار شديد التعقيد حول من يحدد قواعد النفوذ ويرسم خريطة المصالح في حوض النيل والبحر الأحمر.







