استهداف كارفور وديلهايز
«حرب الثلاجات» تهدد الأمن الغذائي بـ9 دول أوروبية.. هل مصر في أمان؟
في سابقة خطيرة وتطور غير مسبوق في عالم الحرب السيبرانية، وفيما عرف بـ «حرب الثلاجات» حولت أنظمة التبريد من وسيلة لحفظ الأغذية إلى سلاح استراتيجي لتهديد سلاسل الإمداد، إثر موجة هجمات إلكترونية أشعلت أنظمة التبريد والمجمدات في مئات المتاجر الكبرى والسوبرماركت في 9 دول أوروبية.
الهجوم الذي بدأ في فرنسا امتد كالنار في الهشيم ليشمل بلجيكا، السويد، هولندا، لوكسمبورج، إستونيا، فنلندا، البرتغال، وإيطاليا، متسبباً في إتلاف آلاف الأطنان من المواد الغذائية وخسائر مالية قدرت بمئات الملايين من اليوروهات.
بدأت الحرب الإلكترونية تأخذ أبعادا دولية عندما استيقظ مديرو كبرى سلاسل التجزئة الشهيرة مثل كارفور، وديلهايز وحتى مخازن التموين ومحلات إيكيا على مشهد مروع، على تلف كافة خزائن اللحوم والألبان والمجمدات بعدما ارتفعت درجات حرارة الثلاجات بشكل مفاجئ خلال الليل لتصل في بعض الحالات إلى 50 وحتى 80 درجة مئوية.
التحقيقات الفنية بعد وقائع «حرب الثلاجات»، كشفت أن المخترقين نجحوا في التسلل إلى لوحات التحكم وأنظمة المراقبة عن بُعد الخاصة بالثلاجات عبر الإنترنت، مستغلين ثغرات أمنية وقام القراصنة بتفعيل وضع إذابة الجليد عن بُعد وتعديل الإعدادات القصوى، مما أدى ليس فقط إلى تلف الأغذية، بل إلى ذوبان بعض المعدات ونشوب حرائق محدودة في وحدات التبريد.
أمام هذا التهديد الذي وصفه مفوض الغذاء والزراعة بالاتحاد الأوروبي، كريستوف هانسن، بأنه محاولة متعمدة لتقويض الأمن الغذائي للمواطنين، سارعت الدول المتضررة لاتخاذ إجراءات صارمة. وبدأت المتاجر الكبرى، بالتنسيق مع وكالات الأمن السيبراني الوطنية، في فصل آلاف وحدات التبريد عن شبكة الإنترنت فوراً.
وأكد الخبراء أن مجرد تحديث البرمجيات لم يعد كافيا؛ لأن الأجهزة المتأثرة قديمة ولا تدعم التحديثات الأمنية الجديدة، ولذلك شملت الإجراءات العاجلة إعادة ضبط المصانع، وتغيير كلمات المرور وعزل شبكات التحكم الصناعية بالكامل وربطها حصرياً عبر شبكات افتراضية مشفرة وآمنة، فضلاً عن التحول من شبكات الجيل الرابع (4G) المكشوفة إلى شبكات الجيل الخامس (5G) الأكثر أماناً لحظر أي وصول خارجي غير مصرح به مثلما حدث فى «حرب الثلاجات».
المتهم وراء الهجمات
حتى الآن، لم تعلن أي جماعة أو عصابة برمجيات فدية مسؤوليتها عن الهجمات، كما لم يطلب المخترقون أي مبالغ مالية مقابل إعادة الأنظمة. هذا الغموض عزز فرضيات أجهزة الاستخبارات الأوروبية بأن الدافع ليس جنائياً بغرض التربح، بل هو هجوم سياسي استراتيجي تقف وراءه جهات مدعومة مندولة تسعى لاستعراض قوتها التخريبية واختبار أسلحة سيبرانية قادرة على شل البنية التحتية الحيوية.
ورغم التحقيقات الموسعة التي يقودها الامن في بلجيكا وفرنسا، لا توجد أدلة جنائية حاسمة تحدد هوية الفاعل وراء «حرب الثلاجات». ومع ذلك، تضع تقارير الأمن السيبراني روسيا والصين في دائرة الشبهات الكبرى، نظراً لامتلاكهما القدرات والبرمجيات اللازمة لاختراق أنظمة التحكم، وتزامناً مع التوترات السياسية المتصاعدة بين موسكو والاتحاد الأوروبي.
يثير هذا السيناريو المخيف تساؤلاً حول مدى سلامة الأسواق المصرية؛ خاصة وأن مصر ليست بمعزل عن هذا التهديد، لكن بمستوى خطورة متفاوت، حيث تعتمد قطاعات واسعة من سلاسل التجزئة والمخازن اللوجستية الكبرى في مصر على نفس الموردين العالميين لأنظمة التبريد «مثل Danfoss وCopeland». وبالتالي، إذا كانت هذه الكيانات تستخدم طرازات قديمة متصلة بالإنترنت دون حماية، أو تعتمد على كلمات المرور الافتراضية التي تأتي مع الأجهزة، فإنها تصبح صيداً سهلاً للقراصنة.
ومع ذلك، تمتلك مصر خطوط دفاعية جيدة؛ حيث يفرض المجلس الأعلى للأمن السيبراني ضوابط صارمة على المنشآت الحيوية، كما أن الثقافة التشغيلية في المتاجر المحلية ما زالت تعتمد في كثير من الأحيان على المراقبة البشرية اليدوية أو شبكات داخلية مغلقة أقل اتصالاً بالإنترنت الخارجي العام، مما يقلل جزئياً من فرص الاختراق العابر للحدود. ورغم ذلك، يشدد خبراء تقنية المعلومات في مصر على ضرورة قيام شركات الأغذية والتجزئة بفحص وحدات التبريد فوراً، وعزلها عن الإنترنت لحماية الأمن الغذائي من أي ارتدادات لهذه الحرب السيبرانية العالمية.








