و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

تحت وطأة الغلاء وتدني الأجور

61  احتجاجًا عماليًا بـ6 أشهر.. الأجور المتآكلة وتصفية الشركات تشعلان غضب العمال

موقع الصفحة الأولى

تصاعدت احتجاجات العمال في مصر خلال الأشهر الستة الأخيرة، مدفوعة باتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، وتآكل الدخول بفعل التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فيما تنوعت مطالب العمال بين زيادة الرواتب والحوافز والبدلات، وتطبيق الحد الأدنى للأجور، وصرف المستحقات المتأخرة، ورفض تصفية الشركات والفصل التعسفي، ووقف الضغوط الإدارية.

وبحسب تقرير حقوقي صادر عن المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، شهدت الفترة من مايو إلى أغسطس 2026 نحو 41 احتجاجًا عماليًا واجتماعيًا، بمتوسط 10 احتجاجات شهريًا، فيما رصدت النشرة العمالية للمفوضية المصرية للحقوق والحريات ومنصات إعلامية أخرى نحو 20 احتجاجًا خلال سبتمبر وأكتوبر، بما يعكس اتساع رقعة الغضب العمالي وتعدد القطاعات المتضررة.

في شركة البويات والصناعات الكيماوية «باكين» بمدينة العبور، نظم العمال اعتصامًا استمر ثلاثة أيام مطلع أكتوبر، للمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية وزيادة الأجور وصرف الأرباح المتأخرة منذ عام 2023. 

وشهد الاعتصام اشتباكات بعد دخول أفراد تابعين لشركة أمن خاصة إلى مقر الشركة، قبل أن تنتهي الأزمة باتفاق تسوية عقب جلسة تفاوض مع رئيس النقابة العامة للكيماويات.

وفي شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة، تجددت الاحتجاجات بمحطة مياه التبين في حلوان، وسط استدعاءات أمنية لعدد من ممثلي العمال وتهديدات بإحالتهم للتحقيق الإداري. وتتركز المطالب حول ضم العلاوات المتأخرة منذ 2016، وزيادة البدلات وبدل المخاطر، وتطبيق الحد الأدنى للأجور، فضلًا عن رفض نظام الوكالة والمطالبة بتثبيت العمالة المؤقتة.

كما نظم مئات عمال مصانع درفلة الحديد وقفة أمام مقر النقابة العامة للعاملين بالصناعات الهندسية في 7 أكتوبر، للمطالبة بصرف الرواتب المتأخرة واستئناف الإنتاج، في أزمة تشير تقديرات النقابة إلى امتدادها لنحو 22 مصنعًا، بما يؤثر على قرابة 30 ألف عامل.

الغزل والنسيج

كان قطاع الغزل والنسيج من أكثر القطاعات التي شهدت احتجاجات، على خلفية تأخر الأجور وتراجع الدخول والاعتراض على خطط التصفية والنقل القسري، ففي شركة وبريات سمنود، تجدد الإضراب المفتوح بمشاركة نحو 550 عاملة بقسم الملابس منتصف سبتمبر، بعد صرف 900 جنيه فقط من أصل 3100 جنيه مستحقة عن راتب أغسطس، وسط أزمة مستمرة منذ مارس بسبب تقسيط الرواتب وتأخر صرفها. وسبق للعمال الدخول في إضرابات خلال أبريل ويوليو، للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وصرف العلاوات المتجمدة ووقف الإجراءات التعسفية، ومنها حظر الخدمات الطبية. وأعلنت 14 جهة حزبية ونقابية وحقوقية، إلى جانب منظمات عمالية، تضامنها مع المحتجين.

وفي شركة مصر العامرية للغزل والنسيج بالإسكندرية، أضرب نحو 800 عامل لمدة 13 يومًا في سبتمبر، للمطالبة باحتساب العلاوة الخاصة بنسبة 12% من الأجر الأساسي بدلًا من الأجر التأميني، استنادًا إلى القانون رقم 75 لسنة 2026. وتصاعدت الأزمة مع رفض الإدارة الاستجابة للمطالب، قبل اتخاذ قرار بالإغلاق الإداري ووقف التشغيل لأجل غير مسمى في أغسطس، بدعوى الصيانة والجرد، وهو ما اعتبره العمال إجراءً عقابيًا على خلفية احتجاجاتهم السابقة.

وفي شركة الدلتا للغزل والنسيج بطنطا، نظم نحو 850 عاملًا وعاملة وقفة احتجاجية في 21 سبتمبر، رفضًا لتصفية الشركة القائمة منذ عام 1960، ونقلهم إلى مصنع نسيج زفتى، بالتزامن مع تفكيك الماكينات والإعداد لهدم المصنع وطرح أرضه، البالغة 44 فدانًا، للاستثمار. وأدانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات إجراءات النقل والتصفية، معتبرة أنها تمت دون حوار مع العمال أو ممثليهم.

وامتدت الأزمة إلى الشركة العربية «بولفارا» للغزل والنسيج بالإسكندرية، حيث دخل نحو 1200 عامل في اعتصام وإضراب مفتوح منتصف سبتمبر، احتجاجًا على تدني الأجور التي تبلغ نحو 2500 جنيه شهريًا، وعدم تطبيق الحد الأدنى البالغ 8 آلاف جنيه، فضلًا عن عدم توريد اشتراكات التأمينات وتراجع الرعاية الصحية.

وفي شركة الملابس المصرية التركية «T&C» بمدينة العبور، اتهمت دار الخدمات النقابية والعمالية الإدارة بممارسة ضغوط لإجبار العمال على تقديم استقالاتهم رغم سريان عقودهم، والتهرب من الالتزامات المالية والقانونية، مشيرة إلى تعرض المحتجين للتهديد والفصل والتحقيقات.

أزمات ممتدة في الزراعة والبنوك

ولم تقتصر الاحتجاجات على القطاع الصناعي؛ إذ نظم نحو 3700 من موظفي وعمال وزارة الزراعة، المعروفين بعمال التشجير والإدارة المركزية للتقاوي، تحركات احتجاجية خلال يونيو ويوليو، بسبب عدم صرف رواتبهم منذ خمس سنوات، رغم تعيينهم بأحكام قضائية، وسط خلافات تتعلق بتوفير الدرجات المالية والتمويل والتنسيق بين وزارتي الزراعة والمالية.

وفي البنك الزراعي المصري، دخل موظفون مفصولون في اعتصام وإضراب عن الطعام يوم 22 سبتمبر داخل المقر الرئيسي بالدقي، احتجاجًا على إنهاء خدمة نحو ألفي موظف خلال الفترة من 2020 إلى 2022، وفقًا لما ورد في التقارير الحقوقية، دون تحقيقات مسبقة أو إخطار قانوني، رغم امتلاك بعضهم عقودًا غير محددة المدة وخدمة تجاوزت 20 عامًا. وانتهى التحرك بتدخل الشرطة وفض الاعتصام، وتوقيف موظفين قبل إخلاء سبيلهما.

الإسكندرية والبحيرة والسويس

وفي شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، نظم العمال إضرابًا جزئيًا تباطؤيًا لمدة أسبوع بدءًا من 25 أغسطس، اعتراضًا على إعادة الهيكلة وما صاحبها من تخفيض للأجور وزيادة ساعات العمل والإضرار بالأقدمية الوظيفية ومزايا العلاج، فيما أُحيل النقابي يسري معروف للتحقيق على خلفية الاحتجاجات.

كما شهد خط ترام الرمل احتجاجات من العاملين على قرار نقلهم إلى وظائف شاقة بهيئة سكك حديد مصر، لا تتناسب مع أعمارهم وحالتهم الصحية، بعد بدء أعمال تفكيك وتطوير الخط.

وفي شركة النقل والهندسة «ترنكو» بالإسكندرية، احتج العمال خلال أكتوبر على مقترحات تصفية الشركة وتكهين ماكيناتها، مطالبين بإعادة تشغيلها بدلًا من استيراد الإطارات وتشريد مئات العاملين.

وشملت الاحتجاجات أيضًا منافذ توزيع الخبز التابعة لشركة المصريين للتوزيع والخدمات، للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وتسوية مدد التأمينات، في ظل رواتب تتراوح بين 2000 و3000 جنيه شهريًا، إلى جانب عمال مضارب أرز البحيرة الذين طالبوا بتطبيق الحد الأدنى للأجور، حيث أظهرت مفردات مرتب عامل أمضى 17 عامًا في الخدمة حصوله على 4227 جنيهًا صافيًا عن شهر أغسطس.

وفي شركة سيراميكا الأمير بالعاشر من رمضان، أضرب العمال خمسة أيام بسبب تأخر راتب يونيو وتوقف خدمات التأمين الصحي، بينما اعتصم عمال شركة إيماك لتصنيع الورق بالعين السخنة تسعة أيام للمطالبة بزيادة الأجور والأرباح وتوفير مياه شرب صالحة.

أما في شركة مصر الوطنية للصلب بمصنع عتاقة في السويس، فنظم مئات العمال وقفة احتجاجية اعتراضًا على زيادة سنوية لا تتجاوز 3% من الأجر الشامل، وحرمانهم من نصيبهم في الأرباح المتراكمة منذ خمس سنوات.

وتكشف الوقائع عن تنوع الاحتجاجات بين الإضرابات الكلية والجزئية، والاعتصامات والوقفات، وتقديم الشكاوى للجهات المعنية، مع تركزها في قطاعات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والنقل والحاويات ومياه الشرب والحديد والصلب والزراعة والبنوك.

وفي المقابل، واجهت بعض التحركات، بحسب التقارير الحقوقية، إجراءات شملت التدخل الأمني والتهديد بالتحقيق والفصل والضغوط الإدارية، ووصلت في بعض الحالات إلى القبض على مشاركين، بينما نجحت تحركات محدودة في التوصل إلى تسويات.

وبين مطالب تحسين الأجور وإنقاذ الشركات من التصفية وصرف المستحقات المتأخرة، تكشف موجة الاحتجاجات عن أزمة تتجاوز المطالبة بزيادة الرواتب، لتشمل الأمان الوظيفي واستقرار المنشآت الصناعية وضمان الحقوق التأمينية والصحية، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية على العمال وأسرهم.

تم نسخ الرابط