مبادئ قضائية حاسمة
حد فاصل بين حرية النشر والجرائم الإلكترونية.. «النقض» تميز بين الصفتين الصحفية والشخصية
أرست محكمة النقض مبدأ قضائيا حاسما يحدد المسار الفاصل بين حرية الصحافة والنشر المضمونة دستوريا، وبين الجرائم المعلوماتية التي ترتكب بواسطة أفراد يستغلون الأدوات الرقمية لحسابهم الشخصي، مؤكدة أن الحصانة الإجرائية وحظر العقوبات السالبة للحرية يرتبطان بمهنة الصحافة وأهدافها العلمية والفكرية، ولا يمتدان إلى الأفعال المؤثمة قانويا التي ترتكب بعيدا عن صفة النشر.
وأصدرت محكمة النقض الدائرة الجنائية "السبت أ"، حكمها بجلسة 19 أبريل 2025، برئاسة القاضي محمود خضر، في الطعن المقيد برقم 10563 لسنة 94 القضائية، وكان الطاعن قد طعن في الحكم الصادر من محكمة جنايات استئناف القاهرة بتاريخ 14 أغسطس 2024 بتأييد عقوبة محكمة أول درجة الصادرة بتاريخ 26 مايو 2024 بسجنه لمدة 5 سنوات ومصادرة الهاتف المحمول المضبوط.
وبدأت تفاصيل القضية بعلاقة جمعت بين شقيق المتهم والمجني عليها، أرسلت خلالها الأخيرة صورها الشخصية بملابسها المنزلية إلى الشقيق، واستغل المتهم عمله صحفيا واطلاعه على هذا الأمر، وتحصل على الصور ورقم هاتف المجني عليها من هاتف شقيقه دون علمه.
وعقب ذلك، أنشأ حسابا عبر تطبيق التليجرام باستخدام رقم هاتف ذكي، وأرسل رسائل تهديد للمجني عليها تتضمن صورها الخاصة، وطلب منها دفع مبلغ مالى قدره 10 آلاف جنيه مقابل عدم نشر هذه الصور على منصات التواصل الاجتماعي.
سارعت المجني عليها بالتوجه إلى قسم تكنولوجيا المعلومات بقطاع الأمن لإبلاغ السلطات المختصة، والتظاهر بمسايرة المتهم لضبطه متلبسا، وأسفرت التحريات الأمنية التي أجرها ضابط الواقعة عن ثبوت ارتكاب المتهم لجريمة التهديد المصحوبة بطلب مالي بقيمة 10 آلاف جنيه، وتحديده وإلقاء القبض عليه.
وأصدرت محكمة أول درجة حكما بسجن المتهم لمدة 5 سنوات، مع مصادرة الهاتف المحمول المستخدم في الجريمة، ولم يرتض المحكوم عليه الحكم، فطعن عليه أمام محكمة الجنايات الاستئنافية، والتي أيدت حكم السجن والمصادرة بشكل كامل.
انتقلت الدعوى بعد ذلك إلى محكمة النقض عبر مذكرة طعن استند فيها الدفاع إلى عدة أسباب، أبرزها استناد الحكم إلى اعتراف المتهم أمام النيابة العامة ومحكمة أول درجة واعتصامه بالبطلان، واقتراح القضاء بعقوبة مقيدة للحرية بالمخالفة للمادة 71 من الدستور والمادة 29 من القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام، إضافة إلى دعوى تناقض الأدلة وإغفال إعمال المادة 32 من قانون العقوبات المتعلقة بالارتباط بين الجرائم.
حيثيات النقض
رفضت محكمة النقض الطعن المقدم، ومحصت كافة أسبابه لتنتهي إلى تأييد عقوبة السجن لمدة 5 سنوات ومصادرة الهاتف المحمول، ولم تكتف المحكمة بذلك، بل صححت الحكم الصادر عبر إضافة عقوبة وجوبية لم تنطق بها محكمتا أول وثاني درجة، وهي المحو الكامل للصور المتحصلة عن الجريمة من كافة الأجهزة والوسائط الرقمية.
وأكدت "النقض" في حيثيات الحكم، أن الجريمة المسندة للمتهم لا تدخل ضمن جرائم النشر التي حظر المشرع توقيع عقوبات سالبة للحرية فيها، وأوضحت أن المتهم لم يمارس الفعل بصفته الصحفية أو في إطار عمله الإعلامي، وأن الحكمة الدستورية من الاستثناء الممنوح لجرائم النشر تستهدف حماية حرية الفكر والتعبير والإبداع، وهي الغاية التي تنتفي تماما عن أفعال التهديد والابتزاز الإلكتروني المنتهكة لحرمة الحياة الخاصة.
وجاء منطوق الحكم النهائي: حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه بإضافة عقوبة "محو الصور المتحصلة عن الجريمة" عملا بالفقرة الأخيرة من المادة 309 مكرر (أ) من قانون العقوبات، ورفض الطعن فيما عدا ذلك والتأكيد على عقوبتي السجن 5 سنوات والمصادرة.














