القانون الحالي صادر من 1937
طارق سرور يطالب بإعداد قانون عقوبات جديد ومعالجة مشكلة «التشريع بالقطعة»
طالب الدكتور طارق فتحي سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي، بكلية الحقوق جامعة القاهرة، بإعداد قانون عقوبات جديد، وعدم اللجوء إلى سياسة التشريع بالقطعة، والذي يؤدي إلى اضطراب الترقيم والتبويب التشريعي، مشيرا للتجربة الفرنسية في تحديث التقنين الجنائي، بعدما دخل قانون العقوبات الفرنسي الجديد حيز التنفيذ عام 1994.
وقال "سرور" إن مضي زمن طويل على صدور تشريع لا يعيبه، ما دامت أحكامه صالحة لتحقيق غاياتها، وإنما تبدأ المشكلة حين تتوالى عليه التعديلات الجزئية على نحو يفقد البناء التشريعي قدرا من تناسقه، سواء بين نصوصه ذاتها، أو بينها وبين النصوص الجنائية الواردة في القوانين الخاصة.
ولفت إلى أن قانون العقوبات المصري صدر سنة 1937، ومنذ ذلك الحين تطورت صور الجريمة ووسائل ارتكابها، وتغيرت احتياجات المجتمع ومفاهيم السياسة الجنائية، بينما ظل البناء الأساسي للقانون قائما، تضاف إليه تعديلات متلاحقة، إلى جانب إصدار العديد من التشريعات الجنائية الخاصة لمواجهة صور الإجرام المستحدثة، حتى أصبح إلى جوار قانون العقوبات عدد كبير من التشريعات الجنائية الخاصة.
وترتب على ذلك، أن تبعثرت جرائم تنتمي إلى صلب التجريم العام بين تشريعات متعددة، فلم يعد قانون العقوبات وحده يعكس بصورة متكاملة السياسة الجنائية للدولة.
وتحدث رئيس قسم القانون الجنائي، عن مشكلة سياسة «التشريع بالقطعة»، وتأثيره على اضطراب الترقيم والتبويب التشريعي، فاستحداث جرائم واصدار قوانين خاصة استجابة لمستجدات معينة أو واقعة محددة، دون مراجعة شاملة لعلاقتها بالنصوص القائمة، أدى إلى التكرار والتداخل، ووضع بعض الجرائم في غير مواضعها التشريعية الأنسب، وأحيانا إلى تفاوت غير مبرر في العقوبات.
كما أدى تراكم التعديلات إلى اضطراب الترقيم والتبويب التشريعي، فظهرت مواد تحمل وصف «مكرر»، ثم «مكرر أ» و«مكرر ب» إلي «مكرر ووهـ»، بينما أضيفت في مواضع أخرى حروف إلى أرقام المواد دون استخدام كلمة «مكرر»، كما في المادة 98 (أ)، وفي مواضع أخرى نجد أن الحرف يسبق كلمة «مكرر»، (كما في المادة 98 أ مكرر) وأحيانا كلمة «مكرر» تسبق الحرف مثل (مادة 88 مكرر أ).
ويكشف هذا التفاوت في أسلوب الترقيم عن افتقاد البناء التشريعي لنظام موحد ومرن، قادر على استيعاب ما يستجد من نصوص مع الحفاظ على وحدة التقنين وتناسقه.
وأشار "سرور" إلى التجربة الفرنسية في تحديث التقنين الجنائي، بعدما دخل قانون العقوبات الفرنسي الجديد حيز التنفيذ سنة 1994، وأعاد بناء النصوص الجنائية وفق تقسيم وترقيم منهجي يجمع الجرائم المتجانسة في مجموعات تشريعية مترابطة.
فجرائم الاعتداء العمدي على الحياة، مثلا، تندرج ضمن سلسلة المواد 221، فتبدأ جريمة القتل العمد بالمادة 221-1، ثم تتوالى صورها وظروفها المختلفة في المواد 221-2 و221-3 وما يليها. وكذلك تبدأ أحكام السرقة بالمادة 311-1، ثم تنتظم صورها المختلفة وظروفها المشددة ضمن السلسلة ذاتها (311).
وتبرز أهمية هذا النظام في مرونته، إذ يتيح للمشرع إضافة نصوص جديدة مستقبلا في موضعها الموضوعي الطبيعي، مع الحفاظ على وحدة البناء التشريعي وتسلسله، دون الحاجة إلى اللجوء إلى أسلوب «مكرر» و«مكرر أ» و«أ مكرر»، الذي قد ينتهي إلى وضع نصوص متجاورة تتناول جرائم متباينة في طبيعتها، لمجرد أنها أضيفت إلى القانون في أوقات متعاقبة.
الأمن القانوني
ويؤكد أن البناء المنهجي في القانون الفرنسي، أسهم في تحقيق الأمن القانوني، من خلال تنظيم القواعد الجنائية في تقنين واضح ومتماسك، يسهل الوصول إلى أحكامه وتحديد نطاقها، ويتيح للمخاطبين بالقانون قدرا أكبر من العلم بالأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها.
فلم يقتصر قانون العقوبات الفرنسي على الجرائم التقليدية، بل استوعب طوائف مهمة من الجرائم الحديثة، وأدرجها في مواضع تتفق مع طبيعة المصلحة المحمية، مثل غسل الأموال، وجرائم العملة، والإرهاب، وجرائم تقنية المعلومات والاعتداء على نظم المعالجة الآلية للبيانات الشخصية، والاتجار بالبشر، والاتجار بالمخدرات، والاتجار بالأسلحة والذخائر (Du trafic d’armes)، وجرائم الاستغلال الجنسي والدعارة، فضلا عن بعض الجرائم المتعلقة بالطب الحيوي وحماية الجسم البشري والأعضاء والأنسجة والخلايا والأجنة.
كما أن التجربة الفرنسية لا تقوم على مبدأ «كل ما هو جنائي يوضع في Code pénal»، وإنما على إدخال الجرائم التي تنتمي إلى صلب التجريم العام فيه، مع تخصيص تقنين مستقل ذات الطبيعة الفنية أو التنظيمية في تقنينات متخصصة مثل جرائم المرور، والهجرة غير المشروعة، والجرائم البيئية، وجرائم الملكية الفكرية والتنظيم القانوني للاستثمار.
ومع ذلك، لم يحل استقلال هذه التشريعات دون جمعها مع قانون العقوبات في مدونة عملية واحدة، كما في طبعات Dalloz، تيسيرا على القاضي والمحامي والباحث والممارس في الرجوع إلى مجمل النصوص الجنائية ذات الصلة.
وشدد رئيس قسم القانون الجنائي على أن الدعوة إلى إصدار قانون عقوبات جديد، لا تهدف لمجرد إعادة ترقيم النصوص القائمة، أو تجميع ما تناثر منها في تشريع واحد، وإنما إعادة النظر في فلسفة التجريم والعقاب ذاتها، وفي مدى الحاجة إلى كل تجريم، وتناسب العقوبات وترابطها، والحدود الفاصلة بين ما ينبغي أن يتضمنه قانون العقوبات وما تقتضي طبيعته الفنية أو التنظيمية إبقاءه في التشريعات الخاصة.
وأوضح أن ذلك يتطلب ذلك مراجعة شاملة لقانون العقوبات والنصوص العقابية المتناثرة في القوانين الخاصة، بهدف إزالة التكرار والتداخل، وإعادة صياغة النصوص التي كشف التطبيق عن قصورها والتخلي عن عبارة «مع عدم الاخلال بأي عقوبة أشد يقضي بها قانون العقوبات أو أي قانون آخر»، وإعادة تقييم سلم العقوبات والغرامات والمخالفات، والتوسع المدروس في العقوبات البديلة والتدابير الحديثة بدلا من الاعتماد المفرط على العقوبات التقليدية والحبس قصير المدة، وكلها سبق الحديث عنها، مع وضع نظام حديث ومرن لتبويب المواد وترقيمها.
وعندما تستجد ظاهرة جديدة، فلا ينبغي أن يكون السؤال الأول: كيف نجرمها؟ بل ينبغي أن يسبقه التساؤل: هل هي مجرمة بالفعل، كليا أو جزئيا؟ وهل نحتاج إلى جريمة جديدة أم يكفي تعديل نص قائم؟ وأين يكون موضعها التشريعي الصحيح؟ وما العقوبة المتناسبة معها مقارنة بالجرائم الأخرى؟
وأكد "سرور" أن الوقت قد حان للانتقال من سياسة التشريع بالقطعة والترقيع التشريعي إلى إعداد قانون عقوبات جديد، يقوم على فلسفة جنائية واضحة ويعيد جمع وتنظيم الأصول الأساسية للتجريم والعقاب في بناء تشريعي حديث، متناسق ومتكامل مع الإبقاء على ما تقتضي طبيعته الفنية أو التنظيمية من جرائم في التشريعات الخاصة، بعد مراجعتها وضمان اتساقها مع أحكام قانون العقوبات، وبذلك لا يستجيب التقنين الجديد لمتطلبات الحاضر فحسب، إنما يمتد بصلاحيته لاستيعاب تطورات المستقبل، ويكون تشريعا جديرا بأن تشهده الأجيال القادمة.








