التزييف العميق Deepfake
هل تنجح التشريعات الجنائية في مواجهة الذكاء الاصطناعي؟ طارق سرور: القانون المصري سبّاق
لم يعد الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة وسمعة الأفراد يحتاج إلى أدوات التقليد القديمة، فقد أضافت الطفرة التكنولوجية المتسارعة واستخدامات الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة ومقلقة لمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، لتستخدم برامج التزييف الرقمي وتطبيقات تركيب الصور والفيديوهات تستخدم لإظهار بعض الأشخاص في أوضاع منافية للآداب العامة، أو السخرية منهم بصورة تحط من قدرهم وتمس شرفهم واعتبارهم.
وأمام هذه الظاهرة وتلك المخاطر، يدور السؤال: هل التشريعات والقوانين الموجودة حاليا قادرة على استيعاب مخاطر التزييف العميق Deepfake أم أن السرعة التقنية تجاوزت بطء النصوص الجنائية؟
وطرح الدكتور طارق أحمد فتحي سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي في كلية الحقوق جامعة القاهرة، رؤية قانونية سبق للمشرع المصري أن وضع نواة حمايتها، حيث يرى أن القانون المصري كان سباقا في مواجهة ظاهرة التلاعب الرقمي بالصور والبيانات.
عقوبات التزييف
وقال الدكتور طارق سرور إن المشرع المصري عالج هذه المسألة في المادة (26) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والتي تنص على: يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعمد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة، أو لإظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه.
ويرى رئيس قسم القانون الجنائي أن هذا النص يُظهر مرونة تشريعية لافتة، إذ صدر قبل أن تصل تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صورتها فائقة الإقناع والانتشار الراهنة، ومع ذلك يتسع لفظه لاستيعاب أشكال حديثة من المعالجة الرقمية والتزييف.
ويضيف "سرور" أنه على الرغم من اتساع النص القانوني، إلا أن التطبيق العملي يواجه جملة من التساؤلات الدقيقة التي تشغل بال رجال القضاء والفقه، وفي مقدمتها التكييف التقني للذكاء الاصطناعي، وهل يندرج التزييف المعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي صراحة تحت مفهوم «برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية» الوارد بالقانون؟ وشرط العلانية والنشر، وهل تكتمل الجريمة بمجرد إنشاء مقطع الفيديو أو الصورة والتلاعب به، أم يشترط لقيامها النشر أو الإتاحة للغير والعرض على نحو يسمح للجمهور بالاطلاع عليه؟ وكذلك معيار المشروعية والإبداع، وأين يقع الحد الفاصل بين الفعل المؤثم جنائيا وبين التعبير الفني المشروع، أو السخرية السياسيّة، أو النقد المباح؟
ويؤكد أستاذ القانون الجنائي، أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يتطلب مراجعة مستمرة لكفاية النصوص الحالية، للوصول إلى صياغات تشريعية أكثر دقة تحمي الأفراد من اغتيال السمعة والتزييف الرقمي دون التأثير سلباً على حرية التعبير والإبداع الفني، ولذلك، تقع اليوم على عاتق القضاء والفقه الجنائي مهمة دقيقة تقتضي رسم حدود فاصلة وموضوعية تُفرق بين الاستخدام المشروع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات النقد، والسخرية المقبولة، والإبداع الفني الهادف، والتجاوز غير المشروع: الذي ينال من كرامة الإنسان أو شرفه ووقاره دون استناد إلى غرض مشروع.








