و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في إحدى قرى صعيد مصر، قد يكون هناك اليوم رجل أو امرأة يحملان في أيديهما معرفة عمرها عشرات السنين؛ طريقة دقيقة في نسج قطعة من القماش، أو صناعة حرفة، أو عزف لحن لا يعرف تفاصيله إلا من تعلمها ممن سبقوه.

هذه المعرفة قد لا تكون مكتوبة في كتاب أو محفوظة كاملة في فيديو، لأنها تعيش في الذاكرة وحركة اليد والممارسة. وإذا رحل حاملها دون أن ينقلها إلى جيل جديد، فإن ما يختفي ليس مجرد منتج، وإنما معرفة كاملة يصعب استعادتها بالصورة نفسها.

وهنا تكمن خصوصية التراث الثقافي غير المادي؛ فخطره لا يظهر دائمًا في صورة واضحة، وإنما قد يبدأ بهدوء مع تراجع أعداد الممارسين، وارتفاع أعمارهم، وابتعاد الشباب، أو نقص الخامات والعائد الاقتصادي.

ومصر تمتلك رصيدًا مهمًا في هذا المجال

 فقد أدرجت 11 عنصرًا من عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم اليونسكو، من بينها السيرة الهلالية، والتحطيب، والأراجوز، والنسيج اليدوي في صعيد مصر، والسمسمية، والحناء، وصولًا إلى الكشري الذي أُدرج عام 2025. كما توجد جهود قائمة في الحصر والتوثيق والتدريب والحماية ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.

وهذا يعني أن مصر لا تبدأ من جديد وإنما تحتاج إلى البناء على ما تم إنجازه. فالتسجيل والتوثيق خطوة أساسية، لكنه لا يضمن وحده استمرار العنصر؛ فقد يكون التراث محفوظًا في الأرشيف بينما يصبح مهددًا في الواقع لأن آخر من يمارسه لم يجد من يتعلم منه.

ومن هنا أرى أهمية نظام إنذار مبكر للتراث المهدد؛ ليس لإنشاء أرشيف جديد، وإنما لتحويل المعلومات الموجودة إلى أداة ترصد مؤشرات مثل عدد الممارسين، ومتوسط أعمارهم، وعدد الشباب الذين يتعلمون، وتوافر الخامات، وحجم الطلب والعائد الاقتصادي.

عندما تبدأ هذه المؤشرات في التراجع، يظهر الإنذار مبكرًا، ويبدأ التدخل المناسب: تدريب وتلمذة للشباب، توفير خامات، فتح أسواق حقيقية، أو توثيق مكثف وسريع للمعرفة التي يحملها عدد محدود من الممارسين. وهكذا يتحول الحفاظ على التراث من محاولة إنقاذ متأخرة إلى إدارة استباقية.

وتدخل السياحة في هذه المعادلة من زاوية دقيقة؛ فهي يمكن أن تساعد على استمرار التراث عندما تخلق طلبًا حقيقيًا ودخلًا مناسبًا لأصحابه، لكنها قد تفرغه من مضمونه إذا اختصرته في عرض سريع أو صورة تذكارية.

لذلك يمكن أن تكون التجربة السياحية أكثر ارتباطًا بالإنسان نفسه؛ أن يلتقي السائح بالحرفي، يسمع قصته، يرى مراحل العمل، ويفهم قيمة الوقت والخبرة، بدل أن يشتري منتجًا منفصلًا عن سياقه.

وقبل تحويل أي عنصر إلى منتج سياحي، تأتي أهمية تقييم أثر السياحة على التراث والمجتمع الحامل له؛ للتأكد من أن زيادة الزائرين لا تغير طبيعة الممارسة، وأن أصحاب التراث يشاركون في طريقة تقديمه، وأن المجتمع المحلي يحصل على منفعة حقيقية. وهذا يتوافق مع توجهات اليونسكو في دراسة آثار السياحة على التراث الثقافي غير المادي والمجتمعات الحاملة له.

ومن هنا يمكن تطوير مفهوم «التجربة التراثية المعتمدة»؛ تجربة تستند إلى عنصر موثق، يشارك حاملوه في تقديمه، ويستفيد منه المجتمع المحلي، مع الحفاظ على سياقه وأصالته.

وتحتاج هذه الرؤية إلى تكامل بين الجهات المعنية بالسياحة والثقافة والتعليم العالي والمحافظات والقطاع السياحي والمجتمعات المحلية، وليس بالضرورة إلى إنشاء مؤسسات جديدة.

وأرى أن الجامعات والمعاهد السياحية والفندقية يمكن أن تكون شريكًا أساسيًا؛ من خلال دفع الطلاب إلى اكتشاف ما في مناطقهم من حِرف وأزياء وأغانٍ وحكايات واحتفالات وممارسات محلية، وتوثيقها من أصحاب المعرفة، ودراسة إمكانية تقديم ما يصلح منها للزائر دون الإخلال بطبيعته.

كما يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دعم التوثيق والأرشفة وتحليل البيانات وربط المعلومات التراثية بالبيانات السياحية، بما يساعد على اكتشاف فرص جديدة للتجارب الثقافية. لكن التكنولوجيا تظل أداة، لأن جوهر التراث غير المادي هو الإنسان.

وهنا يمكن أن يتحول «ذكاء التراث» إلى أداة لقراءة بيانات التراث إلى جانب حركة السائح واهتماماته ومواسم الزيارة، مع إدراك أن ليس كل ما يصلح للسياحة يصلح بالضرورة لأن يُستهلك سياحيًا.

مصر لديها قاعدة مهمة يمكن البناء عليها، من عناصر مسجلة دوليًا إلى مشروعات للتوثيق والتدريب والحماية ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.

والمرحلة التالية في رأيي هي أن نعرف مبكرًا ما الذي يهدده الاندثار، ونتدخل قبل فوات الأوان، ونحدد ما يمكن أن تستفيد منه السياحة، ونقيس أثر هذا الاستخدام، ونضمن أن يبقى الإنسان الذي حمل التراث عبر الأجيال جزءًا أساسيًا من مستقبله.

فالسائح الذي يأتي إلى مصر قد يأتي ليرى الأهرامات والمعابد والمتاحف، لكنه يستطيع أيضًا أن يكتشف مصر التي ما زالت تعيش بين أهلها.

مصر التي تحكي.

مصر التي تغني.

مصر التي تصنع.

ومستقبل السياحة المصرية لا يرتبط فقط بقدرتنا على أن نُري العالم ما نملكه، وإنما بقدرتنا على أن نحافظ على ما نملكه وهو ينتقل إلى المستقبل.

فبعض أهم كنوز مصر ليست خلف أبواب المتاحف...

بل ما زالت تعيش بين أهلها.

تم نسخ الرابط