لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال، وإنما أصبح مستودعًا للحياة الخاصة بكل تفاصيلها؛ رسائل وصور ومحادثات وملفات وذكريات. ومن هنا ثار التساؤل أمام المحاكم: هل يجوز للنيابة العامة، بعد ضبط الهاتف، أن تفتح محتواه وتطلع على ما بداخله دون إذن مسبق من القاضي الجزئي؟
وقد حسمت محكمة النقض جانبًا مهمًا من هذا الجدل في الطعن رقم 8263 لسنة 94 قضائية – جلسة 7 أبريل 2025، إذ قررت أن اطلاع النيابة العامة على الرسائل الموجودة بالهواتف المحمولة المضبوطة لا يستلزم إذنًا من القاضي الجزئي، وذلك في حدود الواقعة التي عرضت عليها المحكمة.
واستندت المحكمة إلى أحكام المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية، التي نظمت سلطة النيابة في الاطلاع على الخطابات والرسائل والأوراق والتسجيلات المضبوطة، ولم ترَ في فحص الهاتف المضبوط – في الحالة محل الطعن – إجراءً يستوجب إذنًا قضائيًا مستقلًا.
لكن الأهم أن الحكم أقام تفرقة جوهرية بين فحص هاتف تم ضبطه بالفعل في إطار تحقيق مشروع، وبين مراقبة الاتصالات أو تسجيلها؛ فالأخيرة لها نظام قانوني وضمانات خاصة لا يجوز تجاوزها.
وهنا تكمن دقة المسألة.
فليس كل تعامل مع الهاتف المحمول يأخذ حكمًا واحدًا، كما أن القول بأن الهاتف يحتوي على خصوصيات لا يعني – بذاته – بطلان كل دليل استُمد منه. وإنما يجب بحث مشروعية الضبط أولًا، وطبيعة الإجراء الذي اتخذته سلطة التحقيق ثانيًا، والسند القانوني له ثالثًا.
فإذا كان الضبط مشروعًا، وكان ما جرى مجرد فحص لمحتوى الهاتف المضبوط في الحدود التي رسمها القانون، فقد قضت محكمة النقض بصحة الإجراء في الواقعة المعروضة عليها.
أما إذا تحول الأمر إلى مراقبة أو تسجيل للاتصالات، فهنا نكون أمام إجراء مختلف له ضماناته القانونية المستقلة.
الهاتف لم يعد مجرد «مضبوطات»
وهنا يظل السؤال الأوسع مطروحًا:
هل تكفي القواعد التقليدية للضبط والتفتيش لمواجهة عالم أصبحت فيه ذاكرة الإنسان وحياته الخاصة كاملةً داخل هاتف صغير؟
فالتفتيش في عصر الورق كان يبحث عن مستند أو شيء محدد، أما التفتيش الرقمي فقد يكشف حياة كاملة.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام القانون ليس في حماية الخصوصية على حساب التحقيق، ولا في إطلاق يد سلطة التحقيق على حساب الخصوصية، وإنما في تحقيق المعادلة الدقيقة بين الاثنين.
فالعدالة لا تحمي المجتمع بانتهاك القانون، ولا تحمي الخصوصية بإهدار مقتضيات التحقيق.. وإنما تقف دائمًا عند الحدود التي رسمها القانون.




