التعليم الجامعي ليس سلعة
200 ألف طالب وافد في مصر.. ونائبة: منظومة التعليم يغلب عليها المنطق التجاري
حذرت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي، من تحول التعليم العالي في مصر، إلى منظومة يغلب عليها المنطق التجاري، مع تمكن الطالب القادر على دفع المصروفات بالعملة الأجنبية من الوصول إلى بعض الجامعات والكليات والتخصصات، في مواجهة الطالب المصري الذي خاض سنوات من الدراسة والمنافسة الشديدة داخل منظومة التعليم المصرية.
وتضم منظومة التعليم العالي التابعة لوزارة التعليم العالي، في الفترة الحالية، 138 ألف طالب وافد، يضاف إليهم 60 ألف طالب في الأزهر، ما يعني أن إجمالي عدد الطلاب الوافدين الذين يدرسون في مصر حوالي 200 ألف طالب.
وتؤكد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أن خطة الحكومة لزيادة أعداد الطلاب الوافدين، تستهدف تطبيق رؤية أوسع لمنظومة التعليم العالي والطلاب الدوليين، باعتبارها امتدادا للقوة الناعمة المصرية في العالم، حيث لا ينظر إلى الطالب الوافد باعتباره مصدرا للدخل الاقتصادي بالعملات الأجنبية فقط، ولكنه يؤثر أيضا في تصنيف الجامعات المصرية.
كما تضم الجامعات المصرية حاليا 130جامعة، مع سعي التعليم العالي خلال السنوات المقبلة لإنشاء أفرع لجامعات مصرية في الخارج، سواء في القارة الأفريقية أو الدول العربية أو القارة الآسيوية، والترويج لمنظومة التعليم العالي المصري، وتيسير الإجراءات بالنسبة للطالب الوافد.
وقدمت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي، سؤالا برلمانيا وجهته إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، ووزير التربية والتعليم والتعليم الفني، حول عدالة قواعد القبول بالجامعات المصرية وتكافؤ الفرص بين الطلاب المصريين والوافدين واللاجئين وتغيير قواعد احتساب الشهادات الدولية.
وقالت عضو مجلس النواب لـ «الصفحة الأولى» إن ما يثير القلق ويستوجب من الحكومة إجابات واضحة، تحول فكرة جذب الطلاب الوافدين مؤخراً من وسيلة لتعزيز مكانة التعليم المصري إلى منظومة يغلب عليها المنطق التجاري، يصبح فيها الطالب القادر على دفع المصروفات بالعملة الأجنبية أكثر قدرة على الوصول إلى بعض الكليات والتخصصات من الطالب المصري الذي خاض سنوات من الدراسة والمنافسة الشديدة داخل منظومة التعليم المصرية.
وأشارت "عبد الناصر" إلى أن التعليم الجامعي ليس سلعة عادية، وأن المقعد الجامعي ليس منتجًا تجاريًا يمكن تخصيصه ببساطة لمن يدفع أكثر، فالجامعة المصرية ليست سوقًا لبيع المقاعد الدراسية، كما أن الطالب المصري لا يجوز أن يتحول إلى الطرف الذي يتحمل تكلفة تسويق التعليم المصري خارجيًا.
وأكدت عدم وجود خلاف على امتلاك مصر جامعات عريقة، وأهمية مبادرة «ادرس في مصر» التي أطلقتها الحكومة في منتصف 2019 لجذب الطلاب الوافدين وتعزيز التبادل العلمي والثقافي، وفتح مسارات جديدة للتعاون بين الجامعات المصرية ونظيراتها في مختلف دول العالم.
ولكن، هناك ضرورة لإعادة النظر في فلسفة التعامل مع ملف الطلاب الوافدين، ليس رفضا لاستقبالهم، أو انتقاصا من حقهم في التعليم، ولكن دفاعًا عن مبدأ دستوري وإنساني أساسي، وهو تكافؤ الفرص وعدالة المنافسة وحماية حق الطالب المصري في الحصول على فرصة تعليمية عادلة تتناسب مع تفوقه وجهده.
وأضافت أن الطالب المصري الذي يقضي سنواته في الثانوية العامة، أو مدارس المتفوقين STEM، أو غيرها من مسارات التعليم، ثم يدخل في منافسة شرسة للحصول على مقعد في كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة، لا يمكن أن يفهم أو يقبل أن تكون هناك قواعد مختلفة جذرًا لطالب آخر لمجرد أنه وافد أو قادر على سداد مصروفات بالعملة الأجنبية.
ولفتت إلى أنه إذا كانت الحكومة تتبنى مبادرة ادرس في مصر بهدف تحويل الجامعات المصرية إلى وجهة تعليمية إقليمية ودولية وجذب العملة الأجنبية، فإن السؤال المشروع هو أين يقف الطالب المصري من تلك السياسة؟ وهل يجوز أن تكون جاذبية التعليم المصري للوافدين هدفًا اقتصاديًا مشروعًا، لكن على حساب عدالة المنافسة بين أبناء الوطن؟
وشددت على أن حق الحكومة الاستفادة من مواردها التعليمية وجذب الطلاب الوافدين، لكن ليس من حقها جعل المقابل المالي معيارًا يتقدم على الاستحقاق الأكاديمي عندما يتعلق الأمر بمقاعد محدودة في تخصصات لا تحتمل التوسع غير المحسوب، خاصة كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة.
الطلاب الوافدين
وحذرت عضو مجلس النواب من أن الحكومة قد تبرر ذلك بأن الطلاب الوافدين يتم قبولهم على مقاعد إضافية ولا يؤثرون على أعداد الطلاب المصريين المقبولين عبر التنسيق، ولكن ذلك التبرير، إذا صح من الناحية الإدارية، فإنه لا يعفي الحكومة من الإجابة عن سؤال أكبر، وهو هل توجد بالفعل طاقة استيعابية حقيقية تسمح بهذا التوسع دون التأثير على جودة التعليم والتدريب العملي والإمكانات المتاحة داخل المستشفيات الجامعية والمعامل والمدرجات وأعضاء هيئة التدريس؟
وأكدت أن مقعد كلية الطب ليس مجرد مقعد في مدرج، ولكنه يرتبط بمنظومة تدريب سريري ومستشفيات جامعية ومعامل وأعضاء هيئة تدريس وإمكانات علاجية وتدريبية، وبالتالي فإن زيادة الأعداد، أيًا كان مصدرها، يجب أن تخضع لدراسات دقيقة للطاقة الاستيعابية، حتى لا تتحول الرغبة في زيادة الموارد إلى ضغط على جودة التعليم الطبي وعلى مستوى الخريجين.
وحذرت من مواجهة الطالب المصري منظومة شديدة الصعوبة، حيث يطلب منه تحقيق درجات مرتفعة للغاية حتى يتمكن من المنافسة على مقعد جامعي في التخصص الذي يرغب فيه، خاصة في الكليات الطبية، ولذلك فإن وجود فروق كبيرة وغير مفهومة في الحدود الدنيا أو معايير القبول بين المصريين والوافدين يخلق شعورًا عميقًا بعدم العدالة، ويبعث برسالة خطيرة إلى الطالب المصري مفادها أن سنوات اجتهاده ومذاكرته وتفوقه قد لا تكون كافية لضمان الفرصة التي يحصل عليها غيره بمعايير مختلفة.
وكشفت النائبة عن أزمة أخرى تتعلق بطلاب الشهادات الدولية، وعلى رأسها IGCSE والدبلومة الأمريكية، بعدما فوجئ أولياء أمورهم بإدخال اللغة العربية والتاريخ ومواد الهوية ضمن عناصر احتساب المجموع المؤهل للقبول الجامعي، وبنسب قد تصل إلى 20% من الدرجة التي تتم على أساسها المنافسة.
وأكدت أنه خلاف على أهمية اللغة العربية والتاريخ والهوية الوطنية، ولا يعترض أحد على أن يتعلم الطالب المصري هذه المواد، بل إن الحفاظ على الهوية جزء أصيل من مسؤولية الدولة التعليمية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تغيير قواعد المنافسة بعد أن بدأ الطالب بالفعل رحلته التعليمية طبقا لنظام مختلف، فالطالب الذي يدرس في نظام دولي منذ سنوات يختار مواده ويخطط لمساره الأكاديمي بناءً على قواعد محددة، ثم يجد قبل دخوله الجامعة أن مواد جديدة أصبحت مؤثرة بصورة مباشرة في مجموعه التنافسي، فإنه يتحمل نتيجة قرار لم يكن طرفًا في وضعه.
ولفتت عبد الناصر إلى أنه إذا كانت هذه المواد تمثل 20% من المجموع النهائي، فإن الفارق ليس هامشيًا، فطالب يحصل على 80% في هذه المواد بدلًا من 100% قد يخسر أربعة نقاط كاملة من مجموع المنافسة، وهي نسبة قد تكون حاسمة في سباق شديد التنافس على كلية مثل الطب، وإلى أن طلاب هذه الشهادات يدرسون بالفعل مواد علمية متخصصة ويخوضون اختبارات ومعايير قبول دولية مثل SAT وEST وغيرها بحسب النظام الذي يدرسون فيه، وبالتالي فإن إضافة متطلبات جديدة ينبغي أن تتم بصورة مدروسة، وفي توقيت يسمح للطلاب بالتخطيط لها، لا أن تتحول إلى قواعد مفاجئة تطبق على طلاب بدأوا بالفعل تعليمهم وفق قواعد سابقة.








