في مواجهة المرض والحوادث
12 مليون عامل من العمالة غير المنتظمة يبحثون عن مظلة الحماية الاجتماعية
العمالة غير المنتظمة، هم سواعد اقتصادية تعمل خارج نطاق العمل الرسمي، ففي الساعات الأولى من كل صباح، يتجمع عمال البناء والحرفيون وعمال اليومية في نقاط معروفة بحثًا عن فرصة عمل، لا يعرف العامل منهم إن كان سيعود إلى منزله بأجر يكفي أسرته، أم بحادث قد يفقده قدرته على العمل، أم بلا عمل من الأساس.
هؤلاء يمثلون أحد أكثر وجوه سوق العمل المصري هشاشة: العمالة غير المنتظمة، التي تعمل في البناء والتشييد والزراعة والصيد والنقل والمحاجر والحرف والخدمات، من دون عقد مستقر أو دخل منتظم أو مظلة تأمينية مكتملة.
وتشير التقديرات المتداولة إلى اقتراب عدد العمالة غير المنتظمة في مصر من 12 مليون عامل، بينهم نحو 7.5 مليون يعملون خارج المنشآت الاقتصادية، ونحو 4 ملايين داخل منشآت القطاع غير الرسمي.
في المقابل، بلغ عدد المسجلين في قواعد بيانات وزارة العمل نحو 1.06 مليون عامل حتى نهاية 2024، مع استهداف الدولة رفع قاعدة البيانات تدريجيًا إلى نحو 2.5 مليون.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة ضخمة بين حجم الفئة المقدّر وعدد المسجلين رسميًا، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن حماية ملايين العمال الذين لا تظهر بياناتهم في قواعد الدولة؟
ودخل قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 مرحلة جديدة لتنظيم أوضاع العمالة غير المنتظمة، وألزم الجهة الإدارية المختصة بحصرها وقيدها وإنشاء قاعدة بيانات قومية وربطها بالجهات الحكومية، وعلى رأسها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.
صندوق إعانات الطوارئ
كما نص القانون على إنشاء صندوق إعانات الطوارئ والخدمات الاجتماعية والصحية للعمالة غير المنتظمة، لتقديم المساعدات والخدمات الصحية والاجتماعية، والمساهمة في سداد اشتراكات التأمين الاجتماعي لهذه الفئة وفق موارده، لكن التحدي الأكبر يظل في الوصول إلى العامل غير المسجل.
فخلال 2026، صرفت وزارة العمل منحًا دورية للعمال المسجلين؛ منها 343.95 مليون جنيه لنحو 229 ألف عامل بمناسبة عيد الفطر، و737.7 مليون جنيه لنحو 245.9 ألف عامل ضمن منح استثنائية، بينما بدأت في أغسطس صرف منحة المولد النبوي لنحو 249 ألف عامل.
وتكشف هذه الأرقام حجم الدعم الذي يصل إلى المسجلين، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا آخر: ماذا عن ملايين العمال الذين ما زالوا خارج قاعدة البيانات؟
المشكلة لا تتعلق فقط بمنحة موسمية، فالعامل غير المنتظم يواجه مخاطر فقدان دخله بالكامل عند المرض أو الإصابة أو العجز أو بلوغ سن الشيخوخة.

وتوفر الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي آليات للتأمين على العمالة غير المنتظمة، إلا أن انتظام العامل في سداد الاشتراكات يظل تحديًا في ظل دخله اليومي المتذبذب، بينما يستطيع صندوق العمالة غير المنتظمة المساهمة في سداد الاشتراكات وفق الضوابط والموارد المتاحة.
كما أعاد حادث طريق الدواويس بالإسماعيلية خلال أغسطس 2026 ملف حماية العمال من مخاطر الانتقال إلى مواقع العمل إلى الواجهة، خصوصًا في القطاعات التي ترتفع فيها معدلات الحوادث مثل البناء والمحاجر والزراعة والنقل.
الفجوة مستمرة
تعمل وزارة العمل والهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل على توسيع الحماية الصحية والاجتماعية للعمالة غير المنتظمة، بالتوازي مع التشغيل والتدريب والسلامة والصحة المهنية.
لكن حجم التحدي يظل أكبر من المساعدات الحالية؛ فالمشكلة الأساسية تبدأ من الحصر والتسجيل، طبيعة عمل هذه الفئة، التي تتسم بالموسمية والتنقل والعمل لدى أكثر من صاحب عمل، تجعل إدماجها في منظومة التأمين أكثر صعوبة.
ويرى متخصصون أن الحل لا يجب أن يقتصر على تحويل العامل إلى «مستحق دعم»، بل إلى عامل مؤمَّن عليه، عبر منتجات تأمينية بسيطة ومنخفضة التكلفة، وسرعة صرف التعويضات، وربط التأمين بالوقاية من المخاطر.
فالعمالة غير المنتظمة موجودة في قلب الاقتصاد المصري، لكنها لا تزال بالنسبة إلى جزء كبير من الدولة قوة عمل غير مرئية.
ويبقى نجاح منظومة الحماية مرهونًا بثلاثة مؤشرات: كم عاملًا تم حصره؟ وكم منهم أصبح مؤمَّنًا عليه فعليًا؟ وكم منهم يحصل على حماية حقيقية عند المرض أو الإصابة أو التقاعد؟








