عاجل جدا ..ماذا بقي فينا من أخلاق محمد؟!
ثمة أشياء لا تحتاج إلى كثير من الكلام حتى تبكي القلب، وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واحدة منها، كلما اقتربت من سيرته، شعرت أنك لا تقرأ عن رجل عاش قبل أربعة عشر قرنا، وإنما تقف أمام إنسان كامل الأخلاق، ثم تلتفت إلى نفسك في صمت، وتسألها سؤالًا موجعا كيف أحببته كل هذا الحب، ثم ما زلت بعيدا عن أخلاقه كل هذا البعد؟.
كان صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يغضب، ولم يكن غضبه لنفسه، وكان يستطيع أن يعاقب، لكنه كان يرى في العفو بابا إلى إصلاح القلوب، وكان يملك من المكانة والسلطان ما يجعل الناس يخافونه، لكنه اختار أن يجعلهم يحبونه، لم تكن رحمته صلى الله عليه وسلم كلمات تقال في المواعظ، بل كانت شيئا يمشي بين الناس، كان يرى دمعة اليتيم، وحاجة الفقير، وضعف الكبير، وحزن المرأة، وخوف الطفل، وكان يتعامل مع الإنسان لا باعتباره رقما في جماعة، وإنما باعتباره قلبا له مشاعره، وكرامته، وأوجاعه التي لا يراها أحد.
ولهذا كانت رحمته أوسع من أن تكون مجرد عاطفة، كان رحيما بالمخطئ، لا لأنه يحب الخطأ، وإنما لأنه يحب للإنسان أن يعود إلى الصواب، وكان يعفو، لا لأنه نسي ما فعل به، وإنما لأنه لم يكن يريد أن تتحول جراحه إلى كراهية تسكن قلبه. وكان يحسن، لا لأنه ينتظر شكرًا، وإنما لأن الخير عنده لا يحتاج إلى شاهد.
وهنا تكمن عظمة أخلاقه، أن تفعل الخير حين يكون الناس طيبين معك، هذا أمر يسير، أما أن تبقى طيبا حين يؤذيك الناس، فهنا يبدأ الامتحان، أن تبتسم لمن تحب، ليس إنجازا، أما أن تحفظ لخصمك إنسانيته وأنت غاضب منه، فذلك خلق، أن تعطي من يعطيك، ليس صعبا، أما أن تعطي من لا يستطيع أن يرد لك الجميل، فذلك إحسان، أن تسامح من اعتذر لك، جميل، أما أن تعفو حين تكون قادرا على الانتقام، فذلك مقام آخر من الأخلاق
ولذلك فإن فتح مكة ليس مجرد صفحة في التاريخ، إنه امتحان أخلاقي هائل، رجل خرج من مكة مطاردا، وترك فيها من أحبهم، وأوذي فيها، وحورب، ثم عاد إليها بعد سنوات منتصرًا، تخيل المشهد الذين أخرجوه أمامه، والذين آذوه أمامه، والذين حاربوه أمامه، والمدينة التي أغلقت أبوابها في وجهه أصبحت تحت يده، لو كان في قلبه شيء من حظ النفس، لكان لذلك اليوم وجه آخر، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل لحظة الانتصار موعدا للثأر، اختار أن يفتح للناس بابا آخر، بابا اسمه العفو.
وهنا يتعلم الإنسان أن أعظم الانتصارات ليست دائما تلك التي تسقط الخصم، وإنما تلك التي تمنعك من أن تتحول، بسبب ما فعله بك، إلى شخص يشبهه، كم هو مؤلم أن نفهم هذا المعنى متأخرين! فنحن كثيرا ما نقول إننا نحبه، ثم إذا أساء إلينا أحد، نسهر طويلا نفكر كيف نؤلمه كما آلمنا، نقول إننا نقتدي به، ثم نحتفظ في قلوبنا بقوائم طويلة من الذين أخطأوا في حقنا، نمدح رحمته، ثم نقسو على أول خطأ من إنسان، نتحدث عن العفو، ثم نرفض أن نمنح الآخرين فرصة واحدة للعودة، نقرأ سيرته، ثم نعود إلى حياتنا فنجرح بالكلمة، ونحكم بسرعة، ونفضح، ونتشفى، ونقول لقد استحق ذلك.
فالأخلاق لا تختبر حين تسير الأمور كما نحب، وإنما حين يخالفنا الناس، ويجرحوننا، ويخذلوننا، وحين يكون في أيدينا أن نرد الأذى بأذى مثله، هناك، في تلك اللحظة تحديدا، يصبح السؤال العاجل جدا ماذا بقي فينا من أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم؟.
المحبة التي تغيّرنا
ليس السؤال عن كم مرة صلينا عليه؟ ولا كم مرة تحدثنا عن سيرته؟ ولا كم منشورا كتبنا في محبته؟ السؤال الأصعب ماذا يحدث عندما يغضب أحدنا؟ هل يتذكر محمد؟ ماذا يفعل حين يملك القدرة على الرد؟ هل يتذكر عفوه؟ حين يرى ضعيفا يحتاج إليه، هل يتذكر رحمته؟ حين يختلف مع إنسان، هل يتذكر أدبه؟ حين يساء إليه، هل يتذكر حلمه؟ حين يستطيع أن يهين من أخطأ بحقه، هل يتذكر أن محمد كان يبحث عن الإنسان خلف الخطأ؟.
هذه هي المحبة التي تغير صاحبها، أما المحبة التي تبقى في الكلمات، فقد تكون جميلة، لكنها لا تكفي، لقد وصف الله تعالى - وإنك لعلى خلق عظيم – تأملها، لم يقل وإنك لعلى مال عظيم، ولا سلطان عظيم، ولا جاه عظيم، وإنما قال خلق عظيم، لأن الإنسان قد يملك العلم ولا يكون رحيما، وقد يملك القوة ولا يكون عادلا، وقد يملك المال ولا يكون كريما، وقد يملك المكانة ولا يكون متواضعا، لكن الأخلاق هي التي تجعل كل ما تملكه ذا قيمة.
وما أشد حاجتنا اليوم إلى ذلك الخُلق، في زمن أصبحت فيه الكلمة سلاحا، والصورة فضيحة، والخلاف خصومة، والاختلاف عداوة، والاعتذار عند كثيرين علامة ضعف، نحتاج إلى رحمة محمد صلى الله عليه وسلم، نحتاج إلى عفوه، نحتاج إلى حلمه، نحتاج إلى إحسانه، نحتاج إلى ذلك القلب الذي كان يتسع للناس رغم اختلافهم، ويبحث لهم عن طريق إلى الخير بدل أن يبحث لهم عن سبب للإدانة.
ربما لا نستطيع أن نبلغ مقامه صلى الله عليه وسلم ، وهذا أمر لا يطمع فيه أحد، لكننا نستطيع أن نحاول، نستطيع أن نؤخر كلمة قاسية، أن نعفو عن زلة، أن نستر عيبا، أن نجبر خاطرا، أن نعطي فقيرا دون أن نكسر قلبه، أن نعتذر عندما نخطئ، أن نغفر لمن نحب، ولمن لا نحب، أن نختلف دون أن نهين، أن ننتصر دون أن نظلم، أن نملك القوة ثم نختار الرحمة، هذه الأشياء الصغيرة في أعين الناس قد تكون عظيمة عند الله.
وللحديث بقية،




