«لا أريد تغيير المعسكر أريد تغيير من يقوده».
الشتاء قادم إلى تل أبيب.. ماذا يفعل أوفير وينتر باليمين الإسرائيلي ؟
في المسلسل الأمريكي «لعبة العروش» لم تكن عبارة «Winter is Coming- الشتاء قادم» مجرد تحذير من تغير الفصول بل كانت تذكير بأن هناك خطر أكبر يقترب بينما ينشغل الجميع بالصراع على العرش.
وحين ظهرت العبارة نفسها على قمصان أنصار الجنرال الإسرائيلي السابق أوفير وينتر بالتزامن مع إطلاق حزبه الجديد «عمخَ إسرائيل- شعبك يا إسرائيل» بدا الأمر في البداية كأنه مجرد لعبة دعائية ذكية على اسم الرجل.
لكن الصحفي الإسرائيلي سام سوكول التقط زاوية أكثر إثارة ألا وهي «هل تريد حملة وينتر أن تستدعي صورة نيد ستارك رجل الشمال الذي دخل إلى قلب السلطة وهو يحمل معه صورة المحارب الصريح الذي يحذر من الخطر بينما ينشغل الآخرون بالسياسة؟».
سؤال الصحفي الإسرائيلي سوكول يبدو ساخر لكنه يفتح باب لفهم مشروع وينتر أكثر مما تفعله الشعارات الانتخابية التقليدية.
فوينتر لا يدخل السياسة باعتباره سياسي يريد أن يصبح جنرال، بل باعتباره جنرالا يقول إنه اضطر إلى دخول السياسة لأن السياسيين أخفقوا.
وهذه هي نقطة البداية الحقيقية لحزبه «من الجيش إلى السياسة». أوفير وينتر ليس شخصية عسكرية عابرة، بل شخص ارتبط اسمه بقيادة لواء جفعاتي خلال حرب غزة عام 2014 وبصورة الضابط المتدين القومي الذي لا يخفي هويته الدينية في حديثه عن الحرب. ثم غادر الجيش في 2024 بعد عدم ترقيته إلى المناصب الأعلى في وقت كان اسمه قد أصبح رمزاً لدى قطاعات من اليمين ترى أن المؤسسة العسكرية لم تنصفه.
بعد 7 أكتوبر اكتسبت هذه السيرة قيمة سياسية جديدة فالصدمة الإسرائيلية لم تكن مجرد هزيمة أمنية بل هزت الثقة في منظومة القيادة السياسية والعسكرية التي كانت تقول إنها تفهم التهديدات المحيطة بإسرائيل.
وهنا وجد وينتر المساحة التي يحتاج إليها فهو لا يقدم نفسه باعتباره صاحب رؤية سياسية جديدة بقدر ما يقدم نفسه باعتباره رجل أمن جاء إلى السياسة لأن مفهوم الأمن نفسه يحتاج إلى تغيير.
وهذا ما يفسر اختيار اسم «عمخَ إسرائيل» أي «شعب إسرائيل». فالحزب يريد أن يتجاوز تعريف نفسه باعتباره حزب ديني أو حزب مستوطنين وأن يبني هوية أوسع حول الأمن والقومية والمشاركة في تحمل أعباء الدولة.
يمين جديد أم نسخة أخرى من اليمين؟
أيديولوجياً لا يوجد غموض كبير في موقع وينتر إنه يمين قومي متشدد يرفض إقامة دولة فلسطينية ويتبنى موقف شديد الصرامة تجاه غزة كما يؤيد تجنيد الحريديم ودمجهم بصورة أكبر في الخدمة العسكرية.
لكن أهمية الحزب لا تكمن في كونه أكثر يمينية من الليكود أو سموتريتش أو بن جفير حتى.. المشكلة أن وينتر ينافس هؤلاء على الجمهور نفسه لكنه يحاول أن يقدم له منتج سياسي مختلف.
سموتريتش يمثل الصهيونية الدينية المنظمة، وبن جفير يمثل اليمين الشعبوي الأمني بينما يريد وينتر احتلال مساحة يمكن وصفها باليمين العسكري–القومي: يمين يضع تجربة الحرب والجيش والـ7 أكتوبر في قلب هويته السياسية وهو ما يعتبره ميزته الانتخابية.
فالناخب الذي فقد الثقة في السياسيين لكنه لم يفقد قناعاته اليمينية يستطيع أن يقول: «لا أريد تغيير المعسكر أريد تغيير من يقوده».

تركيبة الحزب
أكثر ما يكشف طبيعة الحزب ليس خطاب وينتر وإنما تركيبته.
وضع الناشط العربي الإسرائيلي يوسف حداد في المركز الثاني، إلى جانب شخصيات إعلامية وعسكرية وعائلات القتلى الأسرائيليين وشخصيات من المجال المدني، وهو بهذا يرسل رسالة واضحة: هذا ليس مشروع لتشكيل نسخة أخرى من الصهيونية الدينية.
تحديدا يمثل مشروع وينتر محاولة للوصول إلى جمهور أوسع من اليمين اليهودي التقليدي وإلى تقديم مفهوم مختلف للانتماء السياسي: ليس السؤال فقط من هو يهودي ومن هو عربي، وإنما من يرى نفسه جزء من كيان الاحتلال الإسرائيلي ومستعد لتحمل أعبائه والدفاع عنه.
هذه الصيغة تمنح وينتر فرصة للوصول إلى ناخبين لا يجدون أنفسهم في أحزاب اليمين الديني الحالية من دون أن يضطر إلى التخلي عن مواقفه المتشددة في الملف الفلسطيني.
المشكلة التي يضعها أمام نتنياهو
المفارقة أن وينتر أعلن أنه سيوصي ببنيامين نتنياهو لرئاسة الحكومة ومع ذلك فإن صعوده يمكن أن يمثل مشكلة لنتنياهو أكثر مما يمثل إضافة بسيطة إلى معسكره والسبب هو خريطة الأصوات.
إذا كان وينتر يجذب ناخبين من الليكود أو من بن جفير، أو من سموتريتش على وجه الخصوص فهو لا يوسع بالضرورة كتلة اليمين بل يعيد توزيعها.
وتصبح المسألة أكثر خطورة إذا اقترب أحد الأحزاب من نسبة الحسم أو سقط تحتها عندئذ يمكن لأصوات يمينية أن تتحول من قوة انتخابية إلى أصوات ضائعة بما يغير القدرة الفعلية على تشكيل الحكومة.
ولهذا فإن صعود وينتر يفسر جزئيا الضغط المتزايد داخل اليمين باتجاه توحيد الأحزاب الصغيرة (حزبي بن جفير وسموتريتش). فالمشكلة لم تعد فقط من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد وإنما من سيبقى تحت نسبة الحسم بعد أن يقتطع وينتر جزءًا من جمهوره.
هل يكون وينتر هو «نيد ستارك»؟
هنا تعود قصة مسلسل«لعبة العروش-Game of Thrones» إلى المشهد.
نِد ستارك دخل اللعبة السياسية وهو يعتقد أنه يستطيع مواجهة عالم تحكمه المؤامرات. لكن اللعبة كانت أكبر منه وانتهى به الأمر ضحية للصراع على العرش وفصل رأسه عن جسده ووضعها على رمح في تل أبيب- عفوا اقصد في مدخل قصر العرش الحديدي.
قد يكون هذا هو أفضل اختبار سياسي لوينتر. فصورته كجنرال «نظيف» قادم من خارج السياسة تمنحه قوة أولية لكن الانتخابات لا تُدار بالسيرة العسكرية وحدها.. يحتاج الحزب إلى تنظيم وتمويل وشبكة سياسية وقدرة على الاحتفاظ بالناخب بعد انتهاء وهج الشخصية.
حتى الآن تظهر استطلاعات متباينة للغاية حول حجمه الانتخابي من تجاوز نسبة الحسم إلى أرقام تضعه عند حافتها. وهذا يعني أن الظاهرة حقيقية لكن حجمها النهائي لم يتحدد بعد.
لذلك فإن السؤال الأهم: هل جاء وينتر ليحذر اليمين من الخطر الذي غرسه نتنياهو أم جاء لينافسه على العرش؟
الإجابة ستتحدد في الشهور المقبلة عندما يتحول الاسم الجذاب والشخصية العسكرية إلى اختبار أصعب بكثير: هل يستطيع أوفر وينتر أن يحول غضب ما بعد 7 أكتوبر إلى قوة سياسية مستقرة أم أن «عمخَ إسرائيل» سيبقى مجرد فصل قصير في لعبة العروش الإسرائيلية؟




