و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

فى الوقت الذى تعمد فيه كيان الاحتلال الإسرائيلي التنصل من أى اتفاق إطار سبق التوصل إليه سواء حول غزة، أو حول الانسحاب من جنوب لبنان، بكل ما يحمله هذا الرفض من رسائل ساخنة تقول إن «إسرائيل لن تنسحب من أرض تحتلها»، جاء الدور على سوريا، ولكن هذه المرة ليس بتجديد رفض الانسحاب من الجنوب السورى الممتد من درعا إلى القنيطرة، ناهيك عن هضبة الجولان، ولكن بتمديد هيمنة القرار الإسرائيلى إلى أقصى الشمال السورى، وعلى مسافة لا تزيد على 70 كيلو مترا من الحدود الشمالية الغربية السورية مع تركيا.

هذه المرة ماذا تنوى إسرائيل فعله بشن ثمانى هجمات جوية على منشأة مطار «أبو ظهور» فجر الثلاثاء الماضى (18/8/2026). وما هى دلالات هذا كله؟.. هل هى خطوط حمراء إسرائيلية تتجاوز سوريا، وتمتد إلى تركيا وإلى كل من يعنيهم الأمر فى المنطقة؟ أم هى «فائض القوة الإسرائيلى»؟، حسب ما ورد مؤخرًا على لسان نيتانياهو نفسه فى مستهل الجلسة الأسبوعية لحكومته (9/8/2026) التى فند فيها رفضه الانسحاب من قطاع غزة بقوله إن «إيران تهاجم جميع دول المنطقة، وحتى خارج المنطقة، لكن هناك دولة واحدة لا تهاجمها وهى إسرائيل».

ربما تكون دلالات هذا الهجوم الإسرائيلى المباغت والمكثف على مطار أبو الظهور خليطا من هذا كله، وهذا يكشفه ويؤكده الاستعلاء الإسرائيلى فى تفسير وتبرير الهجوم، الذى تتجاوز دلالاته الحدود السورية، رغم ما سبق أن أعلنه وزير الشتات الإسرائيلى «عميحاى شيكلى» بأن سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع «هى غزة المقبلة» أو غزة «مضخمة»، ورغم تعمد إسرائيل مواصلة تجديد العدوان على سوريا على النحو الذى حدث بعد أربعة أيام فقط من الهجوم على مطار أبو الظهور عندما شنت إسرائيل غارة جوية على منطقة «بيت جن» القريبة من دمشق، بزعم استهداف إرهابى يمثل تهديدًا للأمن الإسرائيلى.

فبعد يوم واحد من الهجوم الإسرائيلى على مطار أبو الظهور، تعمد إيال زامير رئيس الأركان الإسرائيلى القيام بجولة تفقدية لقواته التى تحتل الجنوب السورى، وهناك (19/8/2026) أكد: «لن نسمح لقوات معادية بأن ترسخ وجودها على حدودنا، وسنعرف كيف نستخدم قدراتنا العملياتية بدقة فى الزمان والمكان المناسبين».

الكلام هنا لا يعنى سوريا وحدها، بل يمتد تحديدًا إلى تركيا، والغريب أنه يعتبر قيام تركيا بعمليات «إعادة تأهيل» لمطار أبو الظهور الواقع فى أقصى الشمال السورى على الحدود مع تركيا، بمثابة تهديد للحدود الإسرائيلية، ما يعنى أن هذه الحدود الإسرائيلية تمتد على طول الأرض السورية، وتصل إلى الحدود مع تركيا.

هذا المعنى أكده نيتانياهو نفسه بقوله فى نفس الوقت الذى كان فيه إيال زامير يصول ويجول فى الجنوب السورى إن إسرائيل «أوضحت موقفها بشأن الوجود العسكرى التركى فى سوريا» ومؤكدًا أنها «لن تتسامح مع وجود عسكرى تركى فى سوريا يشكل تهديدًا لإسرائيل. هذه «اللغة الفوقية» الإسرائيلية كانت متعمدة، بل ومدبرة لأن تركيا لم تكن تؤسس قاعدة عسكرية لها فى مطار أبو الظهور، حسب ما زعمت قناة «كان» العبرية (22/8/2026)، بأن تركيا كانت تؤسس لنشر «منظومة رادار» فى مطار أبو الظهور، كانت تشمل إلحاق الرادار بمنظومة دفاع جوى ونشر جنود أتراك لتشغيلها. وأضافت القناة نقلًا عن مصدر إسرائيلى موثوق أن الهجوم الإسرائيلى جاء بعد تأكد من عدم وصول الرسالة الدبلوماسية الإسرائيلية لمن يعنيهم الأمر فى دمشق.

سوريا وتركيا

دمشق وأنقرة على يقين بأن واقع الأمر غير ذلك، وأنه كانت هناك اتصالات توضيحية بين وزير الخارجية السورى أسعد الشيبانى ورئيس الموساد «رومان غوفمان» وتوماس برّاك السفير الأمريكى فى تركيا والمبعوث الرئاسى الأمريكى لسوريا والعراق قبل القصف الإسرائيلى للمطار، عقب ظهور معلومات إسرائيلية عن تحركات سورية وتركية وعمليات إعادة تأهيل فى ذلك المطار، وأن الأعمال كانت تقتصر على إعادة تأهيل المدرج، ولا تستهدف إنشاء تهديد لأى دولة مجاورة أو تحويل المطار إلى قاعدة عسكرية هجومية. إسرائيل بررت الهجوم بـ «منع حشد عسكرى تركى محتمل»، وعدّت أعمال إعادة التأهيل للمطار مقدمة لانتشار تركى يهدد أمنها، أو هكذا تروج وتبرر العدوان رغم كل النفى السوى والتركى بعدم وجود نية لتحويل هذا المطار إلى قاعدة عسكرية تركية.

تركيا التى تابعت الحدث بكل تفاصيله وحيثياته اختارت التهدئة وعدم التصعيد، وتركيز الرد فى هجوم دبلوماسى ضد شخص بنيامين نيتانياهو وسياسة إسرائيل التوسعية، وقال مدير الاتصالات فى الرئاسة التركية برهان الدين دوران إن «أنقرة لن تقع فى الفخ الذى نصبه بنيامين نيتانياهو فى سوريا». رغم ذلك مازالت هناك أسئلة كثيرة بدون إجابة من أبرزها أن تركيا تعرف أن هذا الهجوم على مطار أبو الظهور السورى جاء عقب تطورات مهمة تخص الدور التركى الإقليمى فى الشرق الأوسط، من أبرزها التوقيع التركى على «تحالف مكة» مع السعودية وباكستان، ومنها إعلان الرئيس رجب طيب أردوغان أن «عضوية الاتحاد الأوروبى لم تعد أولوية لتركيا» ما يعنى التفرغ التركى للشرق الأوسط، وأولوية الدور التركى الإقليمى الشرق أوسطى، ومن ثم حتمية الصدام مع إسرائيل، ناهيك عن التقارب بين الرئيس التركى والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، واحتمال حصول تركيا على طائرات «إف-35» الأمريكية، رغم كل الرفض الإسرائيلى. مثل هذه التساؤلات من شأنها فرض احتمالات الصراع التركى – الإسرائيلى على الأجندة الإقليمية، وإعادة فتح ملفات قواعد الاشتباك بين إسرائيل وجوارها الإقليمى.

تم نسخ الرابط