و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

«الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ»
هكذا قال المتنبي، ولم يقل «أعرف الخيل»، بل قال: «الخيل تعرفني»؛ فجعلها شاهدة عليه، تعرف الفارس كما تعرفه الأيام والطرقات والمواقف وكأنها لا تحمل صاحبها فحسب بل تعرفه عن قرب وتعرف طباعه وصفاته بدقة.
هذه العلاقة بين الإنسان وخيله لم تكن حكرًا على العرب، فمنذ عرف الإنسان الخيل ارتبطت بالفارس وبثقافته وحملت في كل بيئة شيئًا من صورة الفروسية التي عُرفت بها ، ففي الأدب الإسباني حضرت صورة الفارس وخيله بقوة حتى صارت جزءًا من المخيلة الأندلسية، وارتبط الخيل الإنجليزي بالهدوء والانضباط والتركيز بينما ارتبط الأندلسي بأناقة أهدأ ؛ حضورٌ في الحركة، واستجابة، وجمالٌ يجعل ظهوره جزءًا من المشهد نفسه. وهكذا، كلما اختلفت الخيل اختلفت معها الصور التي ربطها الإنسان بها.

لكن بين هذه الصور كلها ظل للخيل العربي مكان مختلف، فجماله لا يقوم على الضخامة بل على تكوين يجمع الخفة والاعتداد؛ رأس مميز، وعينان واسعتان، وجبهة عريضة، وفتحات أنف واسعة.
غير أن جماله ليس أكثر ما يميزه، فالقصة الحقيقية تبدأ من طباعه؛ فهو سريع الفهم، شديد الانتباه، حساس لما حوله، يلتقط الإشارة ويفهم طريقة التعامل معه. وليس من السهل إخضاعه بالقوة، لأنك لا تتعامل مع جسد قوي فحسب بل مع عقل حاضر وشخصية لها رد فعل وقد تبدو حساسيته سببًا في صعوبة ترويضه لكنها نفسها مصدر سرعة انتباهه وفهمه كما أن اعتداده بنفسه هو ما يمنعه من الانقياد بسهولة، وهو في الوقت ذاته جزء من حضوره واستقلاله.
ثم تأتي إحدى أشهر صفاته؛ التحمل. فالخيل العربي ليس خيل اللحظة بل خيل المسافة. قد يدهشك خيل بسرعته وآخر بقوته لكن العربي يدهشك بقدرته على الاستمرار إذ يجمع بين الرشاقة والقوة، والسرعة والتحمل، والذكاء والشجاعة، والاعتداد والوفاء ولهذا التكامل تحديدًا ارتبط عند العرب بالكرامة والفروسية حتى قالوا: «الخيل عز الرجال»،
فالفروسية لم تكن يومًا مجرد مهارة في ركوب الخيل بل كانت صورة لمجموعة من الصفات التي اعتز بها العربي؛ الشجاعة، والكرامة، والنخوة، والصبر، والوفاء.
وهنا تحديدًا تبدأ العلاقة التي تستحق التوقف عندها، فالإنسان الذي عاش مع الخيل طويلًا وعرف سلالاتها ووصف طباعها لم يكن يصف كائنًا آخر بمعزل عنه بل كان يصف من دون أن
يقصد جزءًا من نفسه. فحين نعود إلى الخيل العربي نجد تركيبة كاملة؛ ذكاء مع حساسية، وشجاعة مع حذر، وقوة مع رشاقة، وصبر مع سرعة، واعتداد مع وفاء.


وحين نعود إلى الصورة التي حفظها التاريخ عن العربي نجد الصفات نفسها تتكرر بشكل أو بآخر؛ اعتداد بالنفس، وذكاء سريع الالتقاط، وحساسية تجاه الكلمة والموقف، وصبر على الطريق، وقدرة على التحمل، وشجاعة، ووفاء حين تُمنح الثقة. وكأننا من دون أن نشعر بدأنا بالخيل وانتهينا بالإنسان.
وربما لهذا كانت كلمة المتنبي تحمل في طياتها دقة كما حملت البلاغة: «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني».
وهنا نصل إلى فكرة الأصل؛ فالخيل الأصيل يحمل ملامح سلالته وحدها وإذا اختلطت السلالات ظهرت تركيبة جديدة فيها شيء من هنا وشيء من هناك ،وهذا لا يعني أن الجديد أسوأ لكنه يعني أنك إن أردت أن تعرف كيف كان الأصل فعليك أن تعود إلى الأصيل نفسه.

العربى الاصيل

والإنسان كذلك ، فهو لا يعيش بمعزل عن الزمن بل تدخل إليه أفكار وثقافات وقيم وعادات وتجارب ثم تتراكم فوق بعضها حتى يصعب عليه أحيانًا أن يميز ما كان فيه أصلاً عما جاءه لاحقًا.
ولست هنا أتحدث عن تهجين في الدم بل عن تهجين فكري 
ولست هنا أتحدث عن تهجين في الدم بل عن تهجين فكري.
فقد يحتفظ الإنسان باسمه ولغته ونسبه بينما تتغير بعض أفكاره وتتسلل إليه أشياء من خارج صورته الأولى حتى يصعب عليه تمييز الأصل من الطارئ.
ولهذا، إن أردنا أن نعرف العربي قبل أن تتداخل عليه المؤثرات وتتغير معها ملامح وعيه، فقد لا يكفي أن نبحث فيما طرأ عليه بل علينا أن نبحث في الأصيل نفسه في ذكائه، وحساسيته، وصبره، وتحمله، وشجاعته، واعتداده، ووفائه. فهل حفظ لنا الخيل العربي شيئًا من الصورة التي ارتبطت تاريخيًا بالإنسان العربي؟ ربما، وربما لهذا ظل العربي يعتز بأصل خيله ونسبها كما يعتز بأصله هو. فإذا أردنا أن نعرف أصلنا قبل هذا التهجين الفكري، فلنبحث عن الأصيل، عن الصفات التي كانت موجودة قبل أن تتراكم فوقها كل هذه المؤثرات.
وربما تحفظ الخيل من صفات أصحابها ما تنساه الشعوب عن نفسها.
فالأصيل يعرف الأصيل

تم نسخ الرابط