عاد رجل الأعمال حسن هيكل ليطرح من جديد فكرة «المقايضة الكبرى» كحل لأزمة الدين العام المحلي، وصولًا – بحسب طرحه – إلى تصفير الدين، وإعطاء الدولة مساحة مالية أكبر تستطيع من خلالها أن تنفق وتستثمر، فيرى المواطن أثر التنمية بعينه، ويشعر أن هناك دولة تتحرك إلى الأمام.
الفكرة جريئة..
لكن الجرأة وحدها لا تكفي.
لأننا حين نتحدث عن الدين العام وأصول الدولة، فنحن لا نتحدث عن صفقة تجارية بين طرفين، وإنما عن أموال وحقوق والتزامات تخص الدولة المصرية وشعبها وأجيالها القادمة.
ومن هنا، فإن السؤال الأول ليس:
هل نستطيع أن نقايض؟
بل:
ماذا سنقايض؟ وبأي قيمة؟ ولمن؟ ومن سيتحمل النتيجة؟
إذا كانت المقايضة تقوم على مبادلة بعض أصول الدولة بمديونيات قائمة، فلابد أن نعرف أولًا طبيعة هذه الأصول.
هناك فرق هائل بين أصل يمكن للدولة أن تتصرف فيه باعتباره مالًا خاصًا، وبين مال عام أو أصل ذي طبيعة سيادية تحكمه قيود دستورية وقانونية خاصة.
والأهم من ذلك:
من يحدد قيمة الأصل؟
لأن الخطأ في تقييم أصل واحد بمليارات الجنيهات قد لا يكون مجرد خطأ حسابي، وإنما قد يتحول إلى نقل للثروة العامة من الدولة إلى أطراف أخرى.
ثم نأتي إلى السؤال الأخطر:
هل الدين سيختفي فعلًا؟
لأن نقل الدين من جهة إلى جهة أخرى، أو مبادلته بأصل من أصول الدولة، لا يعني بالضرورة أن الالتزام الاقتصادي قد اختفى.
قد يتغير الدائن..
وقد تتغير طبيعة الالتزام..
وقد تتغير طريقة ظهوره في الحسابات..
لكن الاقتصاد لا يعيش على الأرقام وحدها.
الاقتصاد يعيش على القيمة الحقيقية للأصول والتدفقات النقدية وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
ومن هنا، فإن «المقايضة الكبرى» يمكن أن تكون فكرة ذكية جدًا إذا كانت ستؤدي إلى تخفيض تكلفة خدمة الدين، وتحويل أصول غير مستغلة إلى استثمارات منتجة، وتحسين هيكل المديونية، وتحرير موارد حقيقية للموازنة.
لكنها قد تصبح خطيرة إذا تحولت إلى مجرد مسكن محاسبي يؤجل المشكلة بدلًا من حلها.
وأنا هنا لا أرفض الفكرة..
بل على العكس.
أنا أطالب بأن تُناقش بجدية وعلى أعلى مستوى.
لأن مصر تمتلك أصولًا ضخمة، والسؤال الحقيقي ليس فقط: كم تبلغ قيمة هذه الأصول؟
بل:
كم تستطيع هذه الأصول أن تنتج؟
وهذه نقطة جوهرية.
فبيع أصل بمليار جنيه يمنح الدولة مليارًا مرة واحدة.
أما تشغيل الأصل واستثماره بكفاءة فقد يمنح الدولة عائدًا متكررًا لعشرات السنين.
ولهذا فإن أفضل «مقايضة» ليست بالضرورة أن نتنازل عن الأصل..
وإنما أن نجعل الأصل نفسه قادرًا على خدمة الدين دون أن نفقد ملكيته.
وهنا يمكن أن يتحول النقاش من «بيع الأصول لسداد الديون» إلى مفهوم أكثر تطورًا:
إدارة الأصول العامة لإنتاج عوائد مستدامة تخفض عبء الدين.
وهذا – في رأيي – هو الاختبار الحقيقي لأي مقترح.
نريد أن نرى:
تقييمًا مستقلًا للأصول.
وتحديدًا واضحًا للديون التي ستدخل في المقايضة.
وضمانات قانونية بعدم المساس بالأصول ذات الطبيعة السيادية والاستراتيجية.
ورقابة مؤسسية كاملة.
وإعلانًا شفافًا عن المستفيد الحقيقي من كل عملية.
وأن يكون الهدف النهائي خفض الدين وتكلفة خدمته، وليس فقط تغيير شكله.
فالدولة لا تحتاج إلى «صفر» مكتوب في دفتر الحسابات بقدر ما تحتاج إلى اقتصاد قادر على إنتاج هذا الصفر.
المقايضة الكبرى قد تكون فرصة تاريخية.. وقد تكون مخاطرة تاريخية.
والفاصل بين الاثنين هو التصميم القانوني والاقتصادي للعملية.
أما المواطن، فلا يريد أن يسمع أن الدين اختفى على الورق.
هو يريد أن يرى مدرسة أفضل..
ومستشفى أفضل..
وفرصة عمل..
ودخلًا أفضل..
ومشروعات إنتاجية..
ويريد أن يشعر أن أصول بلده لم تُستهلك لسداد الماضي، وإنما استُخدمت لبناء المستقبل.
لذلك أقول:
لا نرفض «المقايضة الكبرى».. ولا نقبلها بلا شروط.
بل نضعها على طاولة الدولة، ونفتح ملفاتها، ونحسبها جنيهًا بجنيه، ونراجعها قانونًا أصلًا بأصل، ثم نسأل السؤال الذي لا يجوز أن يغيب:
هل نحن نبيع جزءًا من المستقبل لسداد فاتورة الماضي.. أم نحسن استخدام ثروة الوطن لصناعة مستقبل أفضل؟
هنا فقط تكون «المقايضة الكبرى» جديرة بأن تحمل هذا الاسم.





