و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

تخيل شابا يجلس وحيدا في غرفته، يفكر كثيرا، يراقب العالم من حوله، ويشعر أن هناك شيئا يفصله عن الناس.. الفقر يضغط عليه، والحياة تبدو في عينيه بلا معنى، والأفكار تتداعى ولا تتوقف عن الدوران في رأسه.. ثم تأتي فكرة صغيرة، مجرد فكرة، لا تبدو في البداية خطيرة، ولا تحمل في ظاهرها جريمة، لكنها تكبر، تعود مرة أخرى، ثم مرة ثالثة.. حتى يبدأ صاحبها في النظر إليها بطريقة مختلفة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لراسکولنيكوف، فالجريمة لم تبدأ يوم رفع يده على المرابية، ولم تبدأ حتى يوم قرر قتلها، الجريمة بدأت قبل ذلك بكثير.. بدأت يوم تغير شيء ما في داخله، فقبل أن تتحرك اليد.. يتحرك العقل، ففي "الجريمة والعقاب"، لا تكمن أهمية راسكولنيكوف في أنه قتل امرأة فقط.. الأهم هو السؤال الذي سبق الجريمة: كيف استطاع أن يقنع نفسه بأن قتل إنسان يمكن أن يصبح أمرا ممكنا؟!.. وهذا هو الجزء الأكثر إثارة في الحكاية.

فالإنسان لا يتحول دائما فجأة، لا يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه شخصا آخر، أحيانا يحدث التغيير ببطء شديد. 
فكرة صغيرة، ثم تبرير، ثم فكرة أخرى، ثم استثناء؛ ثم يبدأ الإنسان في النظر إلى ما كان يراه خطأ باعتباره أمرا يمكن التفكير فيه.. وبمرور الوقت، تختفي المسافة بين الفكرة والفعل، وهنا كانت مأساة راسكولنيكوف.

الفكرة قبل الجريمة

فكرة سبقت الجريمة.. فكان راسكولنيكوف يحمل في داخله فكرة خطيرة، كان يرى أن البشر ليسوا جميعا متساوين في قدرتهم على تجاوز القوانين، هناك، في نظره، الإنسان العادي الذي يعيش داخل الحدود التي وضعها المجتمع، وهناك الإنسان الاستثنائي، ذلك الذي يعتقد أنه يحمل فكرة عظيمة أو مشروعا كبيرا، ولذلك قد يكون له الحق في تجاوز بعض القواعد التي يخضع لها الآخرون.

ومن هنا بدأ السؤال يتحول من: "هل قتل إنسان أمر صحيح؟!"، إلى سؤال أخطر: "ماذا لو كنت أنا من هؤلاء الاستثنائيين؟"، وهنا لم تعد القضية قضية امرأة عجوز، أصبحت القضية قضية راسكولنيكوف نفسه، كان يريد أن يعرف: من أنا؟، هل أنا إنسان عادي مثل الجميع؟، أم أنني شخص استثنائي أستطيع أن أتجاوز ما يعجز الآخرون عن تجاوزه؟!

ثم ظهرت المرابية.. وهنا قد يظن القارئ أن المرأة هي التي صنعت الجريمة، لكنها لم تكن كذلك، كانت فقط اللحظة التي وجدت فيها الفكرة القديمة فرصة لكي تتحول إلى واقع، لم تصنع المرابية الفكرة داخل رأسه، الفكرة كانت موجودة قبلها، كانت تنتظر فقط لحظة تختبر نفسها فيها، وهكذا أصبحت المرأة بالنسبة إلى راسكولنيكوف أكثر من مجرد إنسانة.. تحولت في ذهنه إلى اختبار، اختبار لنظريته، واختبار لقوته، واختبار لهويته.

هل يستطيع أن يفعل ما قرر أن الإنسان الاستثنائي يستطيع فعله؟!، هل يستطيع أن يتجاوز القانون؟، هل يستطيع أن يقتل ثم يمضي في حياته وكأن شيئا لم يحدث؟.. كان يريد أن يعرف الإجابة، لكن الإجابة كانت أقسى ما تخيل؛ هنا تظهر واحدة من أخطر أفكار الرواية.

فالإنسان لا يبدأ بإلغاء الآخر من العالم.. قد يبدأ أولا بإلغائه من وعيه، حين تنظر إلى شخص أمامك باعتباره إنسانا له خوفه وألمه وحقه في الحياة، يصبح قتله أمرا شديد الصعوبة، لكن ماذا يحدث عندما تتوقف عن رؤيته كإنسان؟.. عندما يتحول إلى رقم، أو عقبة، أو وسيلة، أو جزء من معادلة أكبر؟، عندها يصبح الفعل أسهل في الخيال.

وهذا ما حدث لراسکولنيكوف.. المرابية لم تعد في لحظة معينة امرأة لها حياة ومشاعر، أصبحت بالنسبة إليه جزءا من تجربة يريد أن يخوضها، وهنا كانت الخطورة الحقيقية؛ فالجريمة وقعت في يده، لكنها كانت قد بدأت في طريقته في النظر إلى الإنسان.. فراسكولنيكوف لم يكن يقتل المرأة فقط، كان في الحقيقة يختبر نفسه، كان يريد أن يعرف إن كان فعلا ذلك الإنسان الاستثنائي الذي تحدث عنه.. ولهذا كانت الجريمة بالنسبة إليه تجربة على ذاته قبل أن تكون جريمة ضد الآخر.

كان السؤال الحقيقي: "هل أستطيع؟"، لكن المفاجأة أنه عندما فعلها، لم يكتشف قوته؛ اكتشف ضعفه، لم يكتشف، أنه فوق البشر؛ اكتشف أنه واحد منهم، الخوف لم يختف، الضمير لم يمت، الرحمة لم تختف، والإنسان الذي حاول أن يتجاوزه ظل موجودا بداخله، وهنا بدأت المرحلة الثانية من الحكاية؛ العقاب بدأ قبل المحكمة.

فعنوان الرواية "الجريمة والعقاب"، لكن العقاب في قصة راسكولنيكوف لم يبدأ عندما أمسك به القانون، لقد بدأ قبل ذلك، بدأ في اللحظة التي اكتشف فيها أن نظريته لم تستطع أن تمنحه السلام الذي وعدته به، كان يظن أن الإنسان يستطيع أن يتجاوز القواعد إذا اعتقد أنه يحمل هدفا أكبر، لكن بعد الجريمة اكتشف شيئا لم يكن في حساباته؛ أن الإنسان لا يستطيع دائما أن يهزم ضميره بمجرد فكرة، يمكن للعقل أن يخترع ألف تبرير.. لكن القلب لا ينسى بسهولة.

ولهذا بدأ راسكولنيكوف يتفكك من الداخل، كان قد قتل لكي يثبت أنه مختلف عن الآخرين، لكن الجريمة جعلته أكثر التصاقا بإنسانيته.. الجريمة التي بدأت قبل أن تقع، وهنا تكمن قوة الحكاية، الفعل الذي استغرق لحظات، سبقه زمن طويل، لحظات من التفكير.. ثم الشك، ثم التبرير، ثم التخيل، ثم اتخاذ القرار، وهذا يجعل الجريمة أكبر من لحظة القتل نفسها.

فالسؤال ليس فقط "لماذا قتل راسكولنيكوف؟"، السؤال الأعمق هو: كيف أصبح قتل إنسان ممكنا داخل عقله؟، هذا السؤال يغير كل شيء، لأنه لا يبحث عن سبب واحد، لا يقول إن الفقر وحده دفعه، ولا يقول إن الغضب وحده دفعه، ولا يقول إن المرابية هي السبب، بل يبحث في الطريق كله.. كيف انتقل الإنسان من فكرة إلى أخرى، حتى وصل إلى لحظة أصبح فيها المستحيل ممكنا.

وهنا تصبح قصة راسكولنيكوف في رواية الجريمة والعقاب  للكاتب الروسي فيودور دستويفسكي، أوسع من الرواية نفسها، فكثير من التحولات الكبرى في حياة الإنسان لا تبدأ بأفعال كبيرة، قد تبدأ بفكرة صغيرة لا ينتبه إليها، ثم تتكرر، 
ثم تصبح قناعة، ثم تتحول القناعة إلى طريقة في النظر إلى العالم، ثم تبدأ هذه الطريقة في التأثير على القرارات، حتى يجد الإنسان نفسه يوما أمام نتيجة لم يكن يتخيلها في البداية.. وهذا هو الخطر الحقيقي، أن الإنسان قد يسير طويلا في طريق معين دون أن يدرك إلى أين يقوده، 
قد يغير تبريرا صغيرا، ثم تبريرا آخر، ثم يسمح لنفسه باستثناء.. ثم يصبح الاستثناء قاعدة، وعندما يصل إلى النهاية، قد لا يتذكر حتى أين بدأ.

أراد راسكولنيكوف أن يكون فوق الإنسان، كان يريد أن يثبت أنه مختلف، أن هناك أشخاصا يستطيعون تجاوز الحدود من أجل غاية أكبر، لكن التجربة أثبتت له شيئا آخر، لا أحد يستطيع أن يهرب بسهولة من إنسانيته، يمكن للإنسان أن يخدع الآخرين، وقد يستطيع لبعض الوقت أن يخدع نفسه، لكنه لا يستطيع دائما أن يسكت الخوف والضمير والرحمة.. ولهذا كانت هزيمة راسكولنيكوف الحقيقية داخلية قبل أن تكون قانونية.. لم يسقط فقط لأن الشرطة اقتربت منه، سقط لأن الفكرة التي بنى عليها صورته عن نفسه بدأت تنهار، كان يريد أن يثبت أنه استثناء؛ فاكتشف أنه إنسان.

وهنا تأتي المفارقة، راسکولنيكوف ارتكب الجريمة لكي يثبت أنه أقوى من القواعد، لكن الجريمة أثبتت له أنه ليس أقوى من نفسه.. أراد أن يقتل إنسانا ويتجاوز الأمر، فوجد نفسه عاجزا عن تجاوز ما حدث، أراد أن يكون مختلفا عن الجميع، فاكتشف أنه يحمل داخل نفسه الشيء الذي يجمع البشر جميعا؛ الخوف، الندم، الرحمة، والضمير.. وهنا يتحول "العقاب" من حكم يصدره المجتمع إلى تجربة يعيشها الإنسان في داخله.

فدوستويفسكي كان الاهتمام بالإنسان من الداخل، وبالصراع بين الفكرة والضمير، وباللحظة التي يتغير فيها الإنسان قبل أن تظهر آثار هذا التغير على أفعاله.. ومن هذه الزاوية، يصبح راسكولنيكوف نموذجا لإنسان لم يسقط في لحظة واحدة، لقد سار نحو سقوطه خطوة بعد خطوة، ولم تكن الجريمة سوى اللحظة التي ظهر فيها إلى الخارج شيء كان قد تشكل في الداخل منذ زمن، ربما لهذا السبب لا تزال قصة راسكولنيكوف حية حتى يومنا هذا، لأنها لا تتحدث فقط عن قاتل وامرأة عجوز، إنها تتحدث عن الإنسان عندما يبدأ في صناعة الاستثناءات لنفسه، عن اللحظة التي يقول فيها: "هذه المرة فقط"، ثم تأتي مرة أخرى، وعن الإنسان عندما يقنع نفسه بأن غايته أكبر من القواعد، وعن الفكرة عندما تتحول من مجرد احتمال إلى قرار، وعن القرار عندما يتحول إلى فعل، ولهذا فإن أخطر شيء في الجريمة ليس دائما صوت الضربة الأخيرة.. أحيانا يكون أخطر منها بكثير ذلك الصوت الهادئ الذي يسبقها داخل الرأس؛ الفكرة، ثم التبرير، ثم الاعتياد، ثم الاختيار.. ثم الجريمة النهاية الظاهرة.. فالدرس الأكثر قسوة هو أن بعض الجرائم تبدأ قبل أن تقع.. تبدأ عندما نسمح لفكرة ما أن تغير نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين.

تم نسخ الرابط