مشاريع النقل والطرق تتصدر المركز الأول
قرارات نزع الملكية.. ضياع قيمة التعويض العادل للمواطن في إجراءات الحصر والتقييم والنزاع
لم يعد نزع الملكية للمنفعة العامة مجرد إجراء قانوني مرتبط بإنشاء طريق أو كوبري أو محطة صرف صحي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ملف اقتصادي واجتماعي واسع، يمس آلاف الأسر ومئات المشروعات والأراضي والعقارات.
وبينما تمنح الدولة نفسها، وفق القانون، حق الاستحواذ على الملكية الخاصة عندما تقتضي الضرورة تنفيذ مشروع للمنفعة العامة، يظل السؤال الأكثر حساسية: هل يحصل المواطن الذي فقد أرضه أو منزله أو نشاطه التجاري على تعويض عادل بالفعل؟ وهل يصل إليه في الوقت الذي يمكنه فيه شراء بديل أو إعادة بناء نشاطه؟
تحليل البيانات المنشورة عن عامي 2024 و2025 يكشف أن الإجابة ليست بسيطة؛ فالقانون يضع قواعد واضحة للتقييم والإيداع والصرف، لكن الوقائع على الأرض تكشف حالات تأخير ونزاعات وإشكالات في التقييم تجعل الفارق بين «التعويض القانوني» و«التعويض القابل لإعادة المواطن إلى وضعه السابق» موضع جدل.
تكشف بيانات «مرصد العمران» عن حجم لافت لعمليات نزع الملكية المرتبطة بقرارات المنفعة العامة خلال 2024، فقد جرى رصد 109 مشروعات، بإجمالي مساحة يقترب من 24 ألف فدان، وتعويضات مبدئية تبلغ نحو 34.95 مليار جنيه.
لكن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ إذ لا يمثل كله ملكيات خاصة للمواطنين، لأن قاعدة البيانات تضمنت أيضًا أراضي مملوكة لجهات ومؤسسات حكومية أُعيد تخصيصها لمشروعات عامة.
وتصدرت مشروعات النقل والمواصلات والطرق والكباري قائمة المساحات، إذ استحوذت مشروعات النقل وحدها على نحو 13.7 ألف فدان، بينما بلغت مساحة الأراضي المرتبطة بالطرق والكباري نحو 5.5 ألف فدان.
وتكشف الأرقام أن جزءًا كبيرًا من نزع الملكية ارتبط بمشروعات ضخمة عابرة للمحافظات، مثل القطار الكهربائي السريع والمونوريل ومشروعات الطرق الإقليمية.
والصورة تختلف عندما ننتقل إلى قياس الملكية الخاصة فقط، فبحسب رصد «ديوان العمران» لقرارات نزع الملكية المنشورة رسميًا خلال 2025، جرى حصر 56 قرارًا أسفرت عن نزع ما يقرب من 2.5 مليون متر مربع، تعادل نحو 492 فدانًا، من الملكيات الخاصة.
وطالت هذه القرارات نحو 2469 مواطنًا، مع تركز المساحات الأكبر في الإسكندرية والقاهرة والدقهلية والقليوبية والجيزة.
وكان قطاع الطرق والكباري في مقدمة القطاعات من حيث المساحة المنزوعة، وهو ما يعكس استمرار اعتماد الدولة على نزع الملكية كأداة لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية داخل المدن وخارجها.
وبالتالي، فإن المقارنة بين 2024 و2025 يجب أن تتم بحذر: رقم 24 ألف فدان في 2024 لا يمكن وضعه مباشرة مقابل 492 فدانًا في 2025، لأن منهجية الحصر مختلفة، الأول يضم ملكيات خاصة وأصولًا حكومية أعيد تخصيصها، بينما يركز الثاني على الملكيات الخاصة الصافية، وهذه نقطة جوهرية في أي نقاش حول حجم نزع الملكية في مصر.
التعويض والقيمة السوقية
فالقانون رقم 10 لسنة 1990، بعد تعديله بالقانون رقم 187 لسنة 2020، ينص على أن التعويض يقدر وفق الأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة، مضافًا إليها 20% من قيمة التقدير.
أي أن القانون لا يجعل التعويض مساويًا بالضرورة لسعر العقار الذي يستطيع المالك شراءه في السوق يوم استلام الأموال، وإنما يربطه بسعر محدد زمنيًا هو تاريخ صدور قرار المنفعة العامة، مع إضافة 20%.
لكن المشكلة الاقتصادية تكمن في أنه إذا صدر القرار في بداية المشروع، ثم استغرقت إجراءات الحصر والتقييم والنزاع والصرف سنوات، فإن سوق العقارات قد يكون قد تحرك إلى مستويات مختلفة تمامًا، وبالتالي، قد يكون التعويض «صحيحًا حسابيًا وفق القانون»، لكنه لا يضمن بالضرورة أن يستطيع المواطن شراء عقار مماثل بالسعر الذي أصبح قائمًا وقت حصوله الفعلي على الأموال.
وتزداد المشكلة وضوحًا في حالات التضخم وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، خصوصًا في المدن والمناطق التي شهدت ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
بين القانون والواقع
المفارقة الأوضح في ملف نزع الملكية تتعلق بالتوقيت، القانون يلزم الجهة طالبة نزع الملكية بإيداع كامل مبلغ التعويض خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ صدور قرار المنفعة العامة.
كما تُعرض كشوف العقارات والتعويضات لمدة شهر، ويُخطر أصحاب الحقوق بوجوب الإخلاء خلال مدة أقصاها خمسة أشهر، لكن ذلك لا يعني أن كل مالك يحصل فعليًا على الأموال خلال هذه المدة.
ففي أبريل 2025، قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن تعويضات نزع الملكية تصل إلى نحو 15 مليار جنيه، وإن الحكومة تصرفها أولًا بأول، لكنه أقر بوجود تأخيرات في بعض الحالات بسبب الإجراءات القانونية والمنازعات المتعلقة بإثبات الملكية.
وفي المقابل، ظهرت أمام البرلمان حالات قال فيها نواب إن التعويضات تأخرت لسنوات.
وفي ديسمبر 2025، تحدث النائب إيهاب منصور عن حالات في الجيزة تجاوز تأخر صرف تعويضاتها أربع سنوات، بينما شهد عام 2024 أيضًا مناقشات برلمانية بشأن تعويضات متأخرة في الجيزة والبحيرة وكفر الشيخ.
هذه الوقائع تعني أن المشكلة ليست بالضرورة في عدم تخصيص الأموال فقط؛ ففي بعض الحالات يكون المبلغ موجودًا، لكن المالك لا يستطيع الوصول إليه بسبب سلسلة من الإجراءات المتعلقة بالحصر وإثبات الملكية والاعتراضات والنزاعات.
16 مليار جنيه سنويًا
على الجانب المالي، تكشف بيانات وزارة التخطيط أن مخصصات تعويضات المشروعات الاستثمارية ارتفعت من 12.35 مليار جنيه في العام المالي 2023/2024 إلى 16 مليار جنيه في 2024/2025، وقد تم استنفاد الاعتماد بالكامل، كما تضمنت خطة العام المالي 2025/2026 اعتمادًا مماثلًا قدره 16 مليار جنيه.
هذه الأرقام تكشف أن التعويضات أصبحت بندًا ماليًا مهمًا في تكلفة تنفيذ المشروعات العامة، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا آخر: كم تبلغ التكلفة الفعلية لنزع الملكية على الخزانة العامة؟
الإجابة تختلف بحسب طريقة الحساب، فإذا كنا نتحدث عن الاعتمادات السنوية المخصصة، فلدينا 12.35 مليار جنيه في 2023/2024 و16 مليارًا في 2024/2025 و16 مليارًا في خطة 2025/2026.
أما إذا كنا نتحدث عن قيمة التعويضات المقدرة في القرارات المنشورة، فإن بيانات «مرصد العمران» لعام 2024 وحدها تشير إلى نحو 34.95 مليار جنيه.
وهناك دراسة أوسع لـ«ديوان العمران» تغطي الفترة من 2021 إلى 2025 قدرت إجمالي التعويضات المرصودة في قاعدة بياناتها بنحو 55.2 مليار جنيه، لكنها تشمل فترة زمنية ومنهجية مختلفة، وبالتالي لا يجوز جمعها مباشرة مع الاعتمادات السنوية للموازنة.







