و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

عندما تطلب القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» (قيادة القوات الأمريكية فى الشرق الأوسط) من محللين عسكريين، بعد ما يقرب من مرور ستة أشهر على العدوان الأمريكي الإسرائيلى على إيران، تقديم أفكار «مبتكرة وغير تقليدية»، لزيادة الضغط على إيران ومعاقبتها، فماذا يعنى ذلك؟

وماذا يعنى أن يحذر جنرال أمريكى وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون) من أن قلة المدمرات البحرية المستخدمة للتصدى للصواريخ الباليستية الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل ستجبر قائد القيادة الأوروبية التابعة للجيش الأمريكى على إعطاء الأولوية للولايات المتحدة وأمنها بدلًا من الدفاع عن إسرائيل؟ الجنرال إليكسوس جرينكيويتش، قائد القوة الأوروبية التابعة للجيش الأمريكى، أرسل إشعارًا مكتوبًا إلى كبار مسئولى «البنتاجون» يفيد بأنه «دون الحصول على مدمرة بحرية إضافية، سيضطر إلى الاختيار بين الدفاع عن الأراضى الأمريكية وبين الدفاع عن إسرائيل».. فماذا يعنى ذلك؟.  

وماذا يعنى أن تؤكد شبكة «سى إن إن» الأمريكية فى (4/8/2026) أن العسكريين الأمريكيين استنزفوا نحو 80% من مخزون الصواريخ الاعتراضية فى الحرب على إيران؟ وماذا يعنى أن تُحذر صحيفة «واشنطن بوست» (21/7/2026) من أن البنتاجون يستنفد بسرعة ميزانيته المخصصة للعمليات العسكرية بسبب الحرب على إيران؟.. وفى خطوة تعكس حجم الأزمة قال تقرير نشرته الصحيفة: إن البنتاجون تقدم فى الأسابيع الأخيرة بطلب رسمى للكونجرس للحصول على إذن بإعادة توجيه مبلغ ضخم قدره 4.3 مليار دولار من ميزانية «التدريب العسكري» وتخصيص المبلغ لشراء الأسلحة، وهو الأمر الذى وصفه مسئولون دفاعيون بـ «الأولويات الأكثر إلحاحًا» المرتبطة بالحرب على إيران.  

أسئلة كثيرة من هذا النوع أضحت «واقعًا مفجعا» للرئيس الأمريكى دونالد ترامب وإدارته وشريكه بنيامين نيتانياهو وحكومته، وكل أتباع أمريكا وإسرائيل بالمنطقة، لسبب أساسى هو أن إجاباتها لم تعد عصية، وأن أركان الحكم فى الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلى، وكبار وألمع المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين، لديهم إجابات حاسمة لكل منها. هذه الإجابات هى، فى ذاتها، مؤشرات لسؤال: ماذا عن اليوم التالى لاضطرار الرئيس الأمريكى إعلان إفلاسه وعجزه مع إيران، ومن ثم دخوله الاضطرارى إلى دائرة المحاسبة أمام الشعب الأمريكى الذى أضحى أكثر وعيًا بخطورة التورط فى حروب خارجية، وخطورة الرضوخ للإنفاق على الشطحات والطموحات العسكرية لكيان الاحتلال الإسرائيلى على حساب احتياجات وأولويات هذا الشعب فى «حياة كريمة»، بات يفتقر إليها بسبب تورط الطبقة الحاكمة فى حروب خارجية ليس للشعب الأمريكى صلة بها.

السؤال المحوري: هل آن أوان سقوط الإمبراطورية؟ وهل يمكن أن تكون محاسبة دونالد ترامب بعد شهرين من الآن من جانب الشعب الأمريكى فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس (نوفمبر المقبل) ومن ثم خسارة الحزب الجمهورى الحاكم أغلبيته داخل الكونجرس، إيذانًا بفتح ملف محاكمة ترامب وعزله؟

مخرج من الحرب

التساؤلات كثيرة ومهمة وهذا أوانها.. أول وأهم من أجاب عن تلك التساؤلات كان الرجل الأول فى الجيش الأمريكى «دان كين» رئيس هيئة الأركان المشتركة، الذى نقلت عنه مصادر مطلعة لشبكه «سى إن إن» الأمريكية (8/8/2026) قوله فى جلسات خاصة مع كبار مستشارى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إن «الولايات المتحدة بحاجة إلى إيجاد مخرج من الحرب مع إيران»، وأن الخيارات العسكرية المطروحة لتصعيد الصراع «قد تأتى بنتائج عكسية، وأن من غير المرجح أن تحقق القوة الجوية وحدها أهداف الرئيس ترامب المعلنة».

 التحليل الذى نشرته شبكة «سى إن إن» فى تفسير ما ورد على لسان الجنرال «دان كين» أرجع هذه الأولوية التى طرحها، خاصة أولوية «إيجاد مخرج» من الحرب مع إيران لسبَبين: أولهما أن تحقيق نصر على إيران يستلزم تدخلا بريًا أمريكيًا، وهذا ما يرفضه قائد الجيش الأمريكى، لإدراكه مدى فداحة الخسائر فى الأرواح الأمريكية، ورفضه شخصيًا هذا الخيار الذى يدعمه ترامب أيضًا، وثانيهما لعلمه بتناقص مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر الرئيسية. إجابة قائد الجيش الأمريكى حاسمة عن كل تلك التساؤلات: أمريكا تبحث عن مخرج من الحرب، ما يعنى اعترافًا ضمنيًا بالهزيمة.

الأمر المهم هنا أن إيران تدرك ذلك ويبدو أن قرارها هو «سد كل المنافذ» أمام ترامب لخروج مُشرِّف من الحرب، والإمعان فى تحويل شرط ترامب الشهير لإنهاء الحرب على إيران بـ «استسلام إيراني» إلى شرط بـ «استسلام أمريكي»، ودليلنا على ذلك الشروط الستة التى أكدها محمد باقر ذو القدر الأمين العام لمجلس الأمن القومى الإيرانى فى (8/8/2026) لإعادة فتح مضيق هرمز، الذى يأمله ترامب ليزفه «انتصارًا»، يُقدمه للشعب الأمريكى.

هذه الشروط تضمنت أن «المضيق لن يفتح إلا بعد أن تصحح الولايات المتحدة سلوكها»، عبرما يلي: امتناع الولايات المتحدة عن تهديد إيران، أو الإساءة إلى مقدساتها، وإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران، وحلفائها فى لبنان وفلسطين واليمن والعراق، ورفع الحصار البحرى، وسحب القوات البحرية والجوية من محيط إيران، ودفع تعويضات كاملة عن أضرار الحربين (2025 – 2026)، ورفع العقوبات الأمريكية، والإفراج دون شروط عن الأصول الإيرانية المجمدة. شروط تقول إن إيران لا تريد للرئيس الأمريكى «الهروب من الهزيمة»، وهو الأمر الذى أقره «مايكل فوكس» المستشار السابق فى إدارة الرئيس جوبايدن (8/8/2026) بطرحه سؤالا على درجة كبيرة من الأهمية يقول: «هل حان الوقت لانسحاب أمريكا من الشرق الأوسط؟ وأجاب: «نعم»؛ لأن الاستراتيجية الأمريكية فشلت فى المنطقة»، واعتبر أن الحرب على إيران «كارثة استراتيجية كبري». نحن إذن أمام واقع استراتيجى جديد تحددت معالمه، لكن تبقى العبرة لمن يعتبر.

تم نسخ الرابط