و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

 كان التخلص من رجل واحد أحيانا يبدو، في حسابات القصور، أسهل من خوض حرب كاملة.. ففي عالم العروش، لم يكن الخطر في أخذ الحكم بالقوة، بل الموت الذي يبدو كأنه لم يكن جريمة أصلا.. هذا هو الخطر الحقيقي، حين يصبح الوصول للعرش في كأس فوق المائدة، وربما آخر لقمة في حياة الملك هي أول خطوة في طريق وريثه إلى العرش لم يكن الملك يخشى دائما الرجل الذي يقف بالسيف خارج القصر، أحيانا كان عليه أن يخشى الرجل الذي يقف خلفه؛ فالعدو الذي يحمل سيفا يمكن رؤيته، والجيش الذي يحاصر الأسوار يمكن مواجهته، أما السم فكان عدوا بلا ملامح _ يدخل القصر في صمت، ويجلس على المائدة، وربما تحمله يد شخص يثق به الملك تماما، طبق فاخر، كأس شراب، دواء يوصف بأنه علاج؛ ثم يبدأ الموت.

هكذا أصبح السم واحدا من أكثر أسلحة الاغتيال السياسي غموضا في التاريخ.. أكثر الأسلحة فتكا وأسرعها، لا يحتاج إلى معركة تسفك فيها الدماء، ولا إلى انقلاب معلن، بل كان تظهر آثاره كالمرض، جريمة مكتملة تتخفى وربما لا يعلم عنها أحد، ولا يعلم أحد من فاعلها، وهذه تحديدا كانت قوته السياسية فالسلطة في عصور كثيرة لم تكن تنتقل بقواعد واضحة، ولم يكن وجود وريث آخر يعني منافسة سياسية فحسب، بل احتمال حرب أهلية وسقوط عرش وموت مئات أو آلاف الأشخاص؛ ومن هنا بدأت واحدة من أكثر صفحات التاريخ ظلمة، حين انتقل الصراع فوق المائدة الملكية التي يأكل فوقها الأخوة، لتتحول المائدة وسيلة من وسائل القتل للوصول إلى العرش.

ومن حينها أصبح أقرب الناس إلى الملك أكثرهم إثارة للشك، ففي قصور الحكم، لم يكن الخطر دائما قادما من الخارج؛ فالأب قد يخشى ابنه، والابن قد يخشى أخاه، والسلطان قد يخشى ولي عهده، الذي يراه تهديدا مستقبليا؛ فجاء دور السم الذي كان مثاليا لهذا النوع من الصراعات، فهو لا يحتاج إلا إلى الوصول إلى مائدة الطعام كان الملك يخشى طعامه بقدر ما يخشى عدوه.. ومن هنا طبقت إجراءات لحماية الطعام والشراب، من مراقبة المطابخ ومصادر الطعام إلى الإشراف على العاملين وتذوق بعض الأطعمة قبل تقديمها للحاكم.. ومن هنا جاءت صورة الذواق.. ففي عدد من البلاطات الإسلامية والشرقية ارتبطت وظائف القصر بتذوق الطعام والإشراف عليه، وفي العصر المملوكي اشتهر لقب "الجاشنكير"، وهو من أصل فارسي وارتبط برجال البلاط ومهام الطعام والشراب.. لكن  الروايات الشعبية تبالغ في قدرته؛ فالإنسان لا يستطيع ببساطة اكتشاف جميع السموم بالذوق أو الرائحة، وبعض المواد السامة لا تظهر آثارها فورا.. ولذلك لم يكن الذواق جهاز كشف سموم بالمعنى الحديث، بل جزءا من منظومة حماية أكبر.. ومع ذلك، بقي وجوده شاهدا على حقيقة مرعبة؛ حقيقة الاغتيال بالقاتل الصامت "السم".

وحين أصبح السم سلاحا سياسيا، وغزى قصور الملوك، من الحسن بن علي إلى غوانغشو ونابليون، ظل السم أحد أكثر أسلحة الاغتيال غموضا في التاريخ؛ سلاحا يقتل بصمت، ويترك خلفه سؤالا قد يعيش قرونا: هل كان الموت طبيعيا.. أم مؤامرة؟!.. كما حدث مع الحسن بن علي، الذي توفي سنة 50 هـ/670م، وتذكر مصادر تاريخية متعددة أنه مات مسموما.. ارتبطت روايات شهيرة بزوجته جعدة بنت الأشعث، فيما نسبت روايات أخرى دورا سياسيا إلى معاوية بن أبي سفيان، لكن تفاصيل الجهة التي أمرت بالتسميم أو دوافعها لم تحسم تاريخيا بصورة قاطعة.. والأهم أن القصة تكشف طبيعة صراع الحكم؛ شخصية كشخصية الحسن تتمتع بشرعية ومكانة كبيرة يمكن أن يمثل وجودها وحده عاملا مؤثرا في مستقبل الحكم حينها.. فمات الحسن في صمت دون ضجيج على غير من قتلوا بعده في سنوات الفتنة.

ومن الحسن إلى عمر بن عبد العزيز.. الخليفة الذي اصطدم بأصحاب المصالح، وتوفي الخليفة الأموي سنة 101 هـ/720م، بعد سياسات إصلاحية مست مصالح أصحاب نفوذ، ورد مظالم وأعاد أموالا، ظهرت روايات تقول إنه سمم بتحريض من أصحاب مصالح، لكن المؤامرة لم تثبت بصورة قاطعة، ومع ذلك بقيت القصة حاضرة لأنها تعكس منطقا سياسيا مفهوما: حين يقترب الإصلاح من مصالح أصحاب القوة، يصبح صاحب القرار نفسه هدفا محتملا.

ومن عمر ابن عبدالعزيز إلى الخليفة أبي جعفر المنصور، الذي توفي سنة 158 هـ/775م أثناء توجهه للحج، وظهرت روايات متفرقة حول وفاته، لكن لا دليل حاسم على أنه مات مسموما؛ لذلك يجب ألا نصدق كل قصة عن السم، فالسياسة القديمة مليئة بالوفيات المفاجئة والأمراض الغامضة والشائعات.. فالموت الغامض ليس دليلا تلقائيا على الاغتيال.

وننتقل للحديث عن موت الإسكندر ونابليون، فقد مات الإسكندر الأكبر في بابل سنة 323 ق.م بعد مرض استمر أياما، وظهرت لاحقا روايات عن تسميمه، لكنها لم تحسم سبب وفاته.. أما نابليون، الذي توفي في سانت هيلانة عام 1821، فأثارت مستويات الزرنيخ في شعره نظريات الاغتيال، لكن وجود الزرنيخ وحده لا يكفي لإثبات الجريمة.

السم والملك

فالسم الذي يقتل الملك لا يقتل فردا فقط، إنما يقتل أشياء كثيرة؛ يقتل الثقة، التي تجعل الأخ يشك في أخيه،  ويشك في وريثه المستقبلي؛ فبعد أول حادثة تسميم، لا يعود الطاهي مجرد طاه، ولا الخادم مجرد خادم، ولا الطبيب مجرد طبيب، ولا الأخ مجرد أخ، كل شخص قريب من المائدة يصبح احتمالا، وكل كأس يمكن أن يكون رسالة موت.. ولهذا ربما بقيت قصص السموم حية حتى اليوم؛ لأننا لا نقرأ فيها فقط عن ملوك ماتوا، وإنما عن عالم كانت فيه السلطة نفسها مرضا مزمنا من الشك، فالسيف كان يقتل الملك أمام الجميع، أما السم فكان يسمح له بأن يموت وهو لا يعرف من أراد موته، ومن استفاد من غيابه، ومن كان ينتظر لحظة سقوطه ليجلس مكانه؟!، ليسقط أقوى الملوك أمام كأس على مائدته.

لم يكن السم أخطر أسلحة القصور لأنه يقتل في صمت فقط، بل كان أخطرها لأنه يحول كل قريب إلى مشتبه به، وكل مائدة إلى ساحة معركة، وكل عرش إلى جائزة تستحق القتل من أجلها.. وفي النهاية، لا يبقى من المؤامرة سوى جسد، وعرش ينتظر صاحبه الجديد، ورواية يتناقلها المؤرخون.. ليبقى السؤال الذي ظل يطارد قصور الملوك عبر القرون لم يتغير: "من الذي دس السم؟!".

تم نسخ الرابط