لم يكن معلمو الحصة يوما عبئا على الدولة، بل كانوا طوق النجاة لمنظومة تعليمية عانت لسنوات من عجز غير مسبوق في أعداد المعلمين، وحين كانت الفصول الدراسية تفتقد المعلم، لم يسأل هؤلاء عن ضعف الأجر أو غياب الاستقرار الوظيفي، بل وقفوا أمام الطلاب يحملون رسالة التعليم بكل ما فيها من مسؤولية، بينما اكتفت الدولة بمنحهم مكافآت لا تكاد تكفي تكلفة انتقالاتهم اليومية.
لقد عمل معلم الحصة سنوات طويلة، يتحمل نفقات المواصلات من جيبه، ويقضي يومه بين المدارس، ويشارك في أعمال الامتحانات والشرح والمتابعة، ويطالب بتحقيق نتائج جيدة، ويحاسب على أدائه كأي معلم، لكنه لا يتمتع بأي من الحقوق التي يتمتع بها غيره، ورغم ذلك، صبر الجميع على أمل أن يأتي يوم ترد فيه الدولة الجميل لمن حمل عبء الأزمة عندما لم يكن هناك بديل.
ولا يمكن إنكار أن الدكتور محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم، اتخذ خطوات مهمة لمعالجة أزمة نقص المعلمين، وكان إطلاق مسابقة معلمي الحصة خطوة إيجابية تستحق التقدير، كما يحسب له استدراك بعض أوجه القصور في المسابقات السابقة والتوسع في التخصصات المطلوبة، وهو ما يعكس حرصًا على دعم المنظومة التعليمية والاستفادة من الخبرات الموجودة بالفعل داخل المدارس.
لكن ما يحدث في مرحلة تطبيق المسابقة يثير تساؤلات عميقة حول مدى تحقيقها للهدف الذي أُطلقت من أجله، فكيف تتحول مسابقة خصصت لإنصاف العاملين بالحصة إلى مصدر جديد لمعاناتهم؟، إن أكثر ما يثير الاستغراب أن هناك معلمين يعملون بالفعل بالحصة، ومسجلين ضمن كشوف العاملين، واستوفوا شروط المسابقة، ثم فوجئوا باستبعادهم رغم استكمالهم المتطلبات المطلوبة، وعلى رأس هذه الحالات من تقدم بإفادة تفيد التحاقه بالدبلوم التربوي، ثم حصل على الدبلوم بالفعل قبل انتهاء الإجراءات وإعلان نتائج الفرز، ومع ذلك ظل قرار الاستبعاد قائما.
إذا كانت الغاية من الشرط هي التأكد من حصول المتقدم على الدبلوم التربوي قبل التعيين، وقد تحقق هذا الشرط بالفعل قبل الاختبارات، فما المصلحة العامة التي تتحقق من استبعاده؟ وهل أصبحت الغاية هي التمسك بالشكل الإجرائي ولو على حساب جوهر العدالة؟ إن الإدارة الرشيدة لا تقاس بمدى تشددها في الإجراءات، وإنما بقدرتها على تحقيق العدالة دون الإخلال بالقانون.
إن العدالة ليست مجرد نصوص جامدة، بل هي فلسفة تقوم على إنصاف أصحاب الحقوق، أما أن يعمل الإنسان سنوات داخل المدرسة، ويؤدي واجبه، ويكتسب خبرة عملية، ثم يُعامل في النهاية وكأنه لم يقدم شيئًا، فإن ذلك يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة الوظيفية والإنصاف الإداري.
كيف يمكن إقناع شاب بأن يخدم الدولة في أصعب الظروف إذا كانت الرسالة التي تصله هي أن سنوات الخدمة قد لا يكون لها أي وزن؟ وكيف نطالب الآخرين بالانضمام إلى منظومة التعليم إذا كان من سبقوهم قد دفعوا الثمن وحدهم ثم وجدوا أنفسهم خارجها؟
إن معلم الحصة لم يكن متطوعا، ولم يكن يبحث عن تجربة مؤقتة، بل كان يؤدي وظيفة حقيقية، ويقوم بمهام حقيقية، ويسد عجزًا حقيقيًا، وإذا كانت الدولة قد استفادت من خبرته طوال هذه السنوات، فمن حقه أن يستفيد هو الآخر من هذه الخبرة، لا أن تتحول إلى صفحة تُطوى بمجرد الإعلان عن نتيجة مسابقة.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج قد يخلق شعورًا عامًا بأن التضحية لا تُكافأ، وأن الاجتهاد لا يمنح صاحبه أي أولوية، وأن من وقف إلى جوار الدولة في وقت الأزمة يمكن الاستغناء عنه بمجرد تغير الظروف. وهذه ليست رسالة تربوية، ولا إدارية، ولا إنسانية.
إن وزارة التربية والتعليم والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة مطالبون اليوم بإعادة النظر في هذا الملف بمنظور العدالة قبل منظور الإجراءات، فليس المطلوب تجاوز القانون، وإنما تطبيقه بما يحقق الغاية التي وُضع من أجلها، وبما يحفظ حقوق من خدموا المنظومة التعليمية سنوات طويلة.
نظام تعليمي
إن إعادة فحص الحالات التي استوفت الشروط، وفتح باب الاستدراك لمن اكتملت لديهم المتطلبات قبل انتهاء الإجراءات، أو إيجاد آلية قانونية للتعاقد مع معلمي الحصة أصحاب الخبرة، لن يكون تراجعا عن القانون، بل سيكون انتصارًا لفلسفة العدالة التي تقوم عليها الدولة.
من يقرأ تعليقات آلاف الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة على موقع فيسبوك، يدرك أن كثيرًا منها لا يعبر فقط عن غضب عابر أو شكوى مؤقتة، بل يعكس حالة من الضجر والإحباط والشعور بفقدان الأمل لدى شريحة واسعة منهم، هذه التعليقات، مهما بدت للبعض مجرد "فضفضة إلكترونية"، تمثل في حقيقتها مؤشرا ينبغي التوقف أمامه، لأنها تكشف عن تراجع الثقة واتساع الفجوة بين بعض الشباب والمؤسسات.
تجاهل هذه الرسائل أو التقليل من أهميتها قد يفاقم الأزمة، وهو ما قد تكون له انعكاسات اجتماعية وسياسية على المدى الطويل، لذلك فإن قراءة نبض الشباب، والاستماع إلى مشكلاتهم، والاستجابة لها بسياسات أكثر عدالة وشفافية، ضرورة للحفاظ على التماسك المجتمعي وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
وأخيرًا، هذا المقال ليس صرخة غضب، بل صرخة ضمير، لأن الدولة التي تسعى إلى بناء نظام تعليمي قوي لا ينبغي أن تبدأ بإحباط من حملوا هذا النظام على أكتافهم في أصعب سنواته، فمعلم الحصة لا يطلب امتيازًا، ولا يطلب استثناءً، وإنما يطلب أن تكون سنوات عمره التي قضاها داخل الفصل الدراسي ذات قيمة، وأن تكون العدالة أقوى من الجمود، والإنصاف أقوى من الورق، والرحمة أقوى من أي إجراء إداري قد يهدم مستقبل آلاف الأسر التي لم يكن ذنبها سوى أنها آمنت برسالة التعليم.








