في أوقات الأزمات الكبرى، لا تقاس قيمة الرجال بضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تختزل مسيرتهم في قرار إداري أو خبر عابر، وإنما تقاس بما قدموه من عطاء ممتد، وما تحملوه من مسؤوليات وطنية في اللحظات الفارقة، وما راكموه من خبرات جعلتهم محل ثقة الدولة ومؤسساتها والرأي العام على حد سواء.
ومن هنا، تبدو الحملة التي تعرض لها وزير الدولة للإعلام الدكتور ضياء رشوان خلال الأيام الأخيرة، على خلفية تشكيل فريق معاون للوزارة يضم عددًا من المنسقين والمستشارين للتواصل مع الجهات والمؤسسات المختلفة، نموذجا صارخا لحالة التسرع التي باتت تحكم كثيرًا من النقاشات العامة، حيث سبق الحكم المعرفة، وتقدم الانفعال على الفهم، وتحول قرار تنظيمي طبيعي إلى مادة للجدل والاستقطاب دون انتظار لمعرفة أهدافه أو نتائجه أو مبرراته.
والحقيقة أن الحديث عن ضياء رشوان لا ينبغي أن يبدأ من منصبه الوزاري الحالي، بل من مسيرة طويلة ومتراكمة تمتد لعقود في خدمة الصحافة والفكر والسياسة والإعلام المصري، فهو واحد من أبرز الباحثين في الشؤون السياسية والاستراتيجية، وأحد الأسماء التي ارتبطت بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الذي يُعد أحد أهم مراكز التفكير في العالم العربي، كما أنه من الشخصيات القليلة التي جمعت بين العمل البحثي العميق والخبرة الإعلامية الواسعة والحضور السياسي المؤثر.
لكن ربما تبقى محطته الأبرز في الوعي الصحفي المصري هي دوره داخل نقابة الصحفيين، فقد انتخب نقيبًا للصحفيين في ظروف شديدة التعقيد، وتولى المسؤولية في أوقات شهدت تحديات مهنية واقتصادية وقانونية غير مسبوقة، وخلال سنوات عمله النقابي، كان حاضرًا في كل القضايا المرتبطة بالمهنة، مدافعًا عن حقوق الصحفيين ومكتسباتهم، وساعيا إلى الحفاظ على تماسك الجماعة الصحفية في لحظات الاستقطاب الحاد، وقد يختلف البعض معه في بعض المواقف أو التقديرات، وهو أمر طبيعي في العمل العام، لكن ما لا يمكن إنكاره أن الرجل كان أحد أبرز الوجوه النقابية في تاريخ الصحافة المصرية المعاصرة، وأن اسمه ارتبط بمرحلة كاملة من مراحل العمل النقابي والصحفي في مصر.
كما لعب ضياء رشوان دورًا محوريًا خلال فترة رئاسته للهيئة العامة للاستعلامات، حيث وجد نفسه في مواجهة واحدة من أعقد الحملات الإعلامية التي تعرضت لها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تواجه موجات من الأخبار المضللة والتقارير المنحازة والهجمات المنظمة على مؤسساتها الوطنية، كان رشوان حاضرا في الصفوف الأولى للدفاع عن الدولة المصرية، مستخدمًا أدوات المعرفة والحجة والبيانات والاتصال الدولي لتصحيح الصورة وتفنيد الادعاءات والرد على حملات التشويه.
ولم يكن دفاعه عن الدولة المصرية يوما دفاعا وظيفيا تفرضه المناصب، بل كان امتدادا لقناعة فكرية ووطنية عبر عنها في كتاباته ومداخلاته ومواقفه على مدار سنوات طويلة، ولذلك لم يكن غريبا أن تضع فيه القيادة السياسية ثقتها، وأن تكلفه بملف شديد الحساسية كملف الإعلام والتواصل في مرحلة إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
فمصر اليوم لا تواجه مجرد تحديات إعلامية تقليدية، بل تواجه حربا متكاملة على الوعي، ومعارك متشابكة تتداخل فيها السياسة بـالأمن القومي بالتكنولوجيا بالإعلام الدولي، وتعيش المنطقة بأسرها حالة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة، بدءا من تداعيات الحرب في غزة، مرورا بالتحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، ووصولًا إلى حملات التأثير والتضليل التي تستهدف المجتمعات والدول عبر المنصات الرقمية المختلفة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الخبرة السياسية والإعلامية العميقة ضرورة وطنية وليست رفاهية إدارية.
أما الجدل الذي أثير حول تشكيل فريق معاون للوزارة، فهو في جوهره جدل يفتقد إلى أبسط قواعد الإدارة الحديثة، فالعالم كله يتجه نحو العمل المؤسسي القائم على فرق متخصصة وشبكات تنسيق تربط بين المؤسسات المختلفة، خاصة في الملفات التي تتطلب تواصلًا مستمرًا بين جهات متعددة، ومن ثم فإن الاستعانة بمنسقين أو مستشارين أو مساعدين ليست ترفا إداريا، بل جزء من أدوات الإدارة الرشيدة لأي مؤسسة تسعى إلى تحقيق أهدافها بكفاءة وفاعلية.
والأخطر من القرار نفسه كان الطريقة التي جرى بها تناول الخبر، فبدلًا من مناقشته في إطار مهني وموضوعي، جرى تقديمه بصورة تثير الضغينة وتدفع نحو الاستقطاب، وكأن الغاية ليست الفهم أو التقييم، بل إثارة الجدل وحصد التفاعل وإشعال منصات التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة باتت تهدد المجال العام كله، حيث تتحول بعض الأخبار إلى وقود للانقسام قبل التحقق من أبعادها أو فهم سياقاتها.
حملات التشويه
ومن الإنصاف أن نقول إن ضياء رشوان، كغيره من المسؤولين، ليس فوق النقد، ولن يكون يومًا فوق المساءلة، لكن هناك فارقا كبيرا بين النقد المسؤول وبين حملات التشويه، وبين الاختلاف الموضوعي وبين محاولات الهدم المعنوي على منصات التواصل الاجتماعي التي تتجاهل التاريخ والإنجاز والخبرة، فالرجل الذي أمضى سنوات طويلة في خدمة الصحافة المصرية، وقاد نقابة الصحفيين في لحظات صعبة، ودافع عن صورة الدولة المصرية في المحافل الدولية، وأسهم في إدارة ملفات إعلامية وسياسية معقدة، يستحق على الأقل أن يحاكم إلى أدائه ونتائج عمله، لا إلى عناوين مثيرة أو منشورات عابرة على مواقع التواصل.
إن الدول التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تتحول خبراتها الوطنية إلى أهداف دائمة للمهاترات الإلكترونية، ولا تجعل تقييم رجالها رهينة لموجات الغضب المؤقتة، فالتاريخ لا يكتب بمنشور، والخبرة لا تلغى بتعليق، والمسيرة الممتدة لعقود لا تمحوها عاصفة عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولهذا كله، فإن ضياء رشوان لا يحتاج إلى شهادة من أحد بقدر ما يكفيه سجل طويل من العمل العام، وتجربة ممتدة في الدفاع عن الدولة المصرية ومؤسساتها، وثقة قيادة سياسية تدرك جيدا حجم التحديات التي تواجه البلاد، وتعرف أن هذه المرحلة تحتاج إلى رجال دولة يمتلكون الخبرة والمعرفة والقدرة على إدارة الملفات المعقدة، أما الضجيج، فمصيره إلى الزوال، بينما تبقى السيرة الحقيقية شاهدة على أصحابها.


