يمثل مشروع قانون حرية تداول المعلومات أحد أهم التشريعات المنتظرة في مسار بناء الدولة الحديثة، ليس فقط لأنه يعزز الشفافية ويكفل حق المواطنين في المعرفة، وإنما لأنه يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، تقوم على الانفتاح وتبادل المعلومات والثقة المتبادلة.
وفي هذا السياق، تستحق الجهود المبذولة لإحياء هذا الملف الحيوي كل التقدير، وفي مقدمتها الجهود التي يقودها الكاتب الصحفي الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، الذي ظل لسنوات من أبرز المدافعين عن حق المعرفة باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لتطوير العمل الصحفي وتعزيز الشفافية المؤسسية.
التجارب الدولية
لقد أثبتت التجارب الدولية أن قوانين حرية تداول المعلومات لم تكن مجرد نصوص قانونية، بل كانت أدوات فعالة لتحسين الأداء الحكومي ورفع كفاءة المؤسسات العامة، ففي الولايات المتحدة، ساهم قانون حرية المعلومات في تعزيز الرقابة المجتمعية على المؤسسات الحكومية وكشف العديد من القضايا المرتبطة بالإنفاق العام والإدارة العامة.
وفي المملكة المتحدة، أصبح القانون وسيلة أساسية لتوفير البيانات والمعلومات للباحثين والصحفيين والمواطنين، بما عزز من مستويات المساءلة والشفافية، كما حققت دول مثل السويد وكندا وأستراليا تجارب رائدة في تحويل المعلومات العامة إلى مورد متاح للمجتمع، الأمر الذي انعكس إيجابًا على جودة السياسات العامة ومستوى الثقة بين الدولة والمواطن.
والحقيقة أن المستفيد الأكبر من هذا القانون ليس الصحفي وحده، بل الدولة نفسها، فالدولة القوية لا تخشى تداول المعلومات، وإنما تستند إلى الشفافية كأحد مصادر قوتها، كما أن إتاحة المعلومات بشكل رسمي ومنظم تسهم في الحد من الشائعات والتفسيرات المغلوطة والتسريبات غير الدقيقة، وتوفر مرجعية موثوقة للمواطنين ووسائل الإعلام والباحثين وصناع القرار.
أما على مستوى المهنة الصحفية، فإن قانون حرية تداول المعلومات يرفع من مكانه الصحفي المهنية والفكرية، فالمعلومة في العصر الحديث أصبحت متاحة بدرجات متفاوتة، لكن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على تحليلها وتفسيرها وربطها بالسياق العام واستخلاص الدلالات منها، ومن ثم فإن الصحفي لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح محللًا ومدققًا ومفسرًا للبيانات وصانعا للمعرفة العامة.
إن قانون حرية تداول المعلومات لا يلغي الدور التقليدي للصحفي في البحث والتقصي، بل يمنحه أدوات أقوى وأكثر شرعية للقيام بمهمته الأساسية، فالصحفي سيظل المحقق الذي يفتش خلف الوقائع، والباحث الذي يربط بين الوثائق والبيانات والأحداث، والكاشف لما قد يغيب عن الرأي العام من حقائق ومؤشرات واتجاهات، غير أن الفارق الجوهري يتمثل في أن حصوله على المعلومات لن يكون رهينا بالمجاملات أو العلاقات الشخصية أو التسريبات غير الرسمية، بل حقا أصيلا تكفله الدولة والقانون.
ومن ثم تصبح جميع المؤسسات الحكومية والجامعات والهيئات العامة مطالبة بالتعاون مع الصحفي وتوفير المعلومات والبيانات المطلوبة في إطار الضوابط القانونية، باعتباره شريكا في تحقيق الشفافية وتعزيز الوعي المجتمعي، فكل معلومة تحجب دون مبرر قانوني تفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، بينما يسهم تدفق المعلومات الدقيقة في تمكين الصحفي من أداء رسالته الحقيقية كمحقق محترف وكاشف للحقائق ورقيب على الأداء العام، بما يخدم الدولة والمجتمع معًا ويعزز الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
ومن هنا تبرز أهمية استعداد المؤسسات الحكومية والأكاديمية لهذه المرحلة الجديدة، فإقرار قانون حرية تداول المعلومات يجب أن يصاحبه تطوير حقيقي في البنية المؤسسية الخاصة بالتواصل الإعلامي، ولم يعد مقبولًا أن تظل بعض الوزارات أو الجامعات أو الهيئات العامة تعتمد على ردود أفعال متأخرة أو تفتقر إلى آليات واضحة للتواصل مع وسائل الإعلام والجمهور.
لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب من جميع الوزارات والهيئات الحكومية والجامعات المصرية إنشاء وحدات متخصصة للمعلومات والتواصل الإعلامي، تضم مسؤولين إعلاميين وصحفيين محترفين يمتلكون القدرة على التعامل مع وسائل الإعلام والرد على الاستفسارات وتوفير البيانات والمعلومات بصورة دقيقة وسريعة ومنظمة.
فكل جامعة يجب أن تمتلك منظومة إعلامية قادرة على عرض إنجازاتها وأنشطتها البحثية وقراراتها الأكاديمية بشفافية واحترافية، وكل وزارة يجب أن يكون لديها متحدثون ومتخصصون في إدارة المعلومات والتواصل مع الرأي العام، بما يضمن تدفق المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب.
إن الجامعات على وجه الخصوص أصبحت مراكز لإنتاج المعرفة والبحث العلمي والابتكار، ومن غير المنطقي أن تبقى إنجازاتها حبيسة المكاتب أو المواقع الإلكترونية المحدودة الانتشار، فوجود متخصصين إعلاميين وصحفيين داخل الجامعات لم يعد رفاهية تنظيمية، بل ضرورة استراتيجية لنقل المعرفة إلى المجتمع، والتعريف بجهود الباحثين والعلماء، وتعزيز الصورة الذهنية للمؤسسات الأكاديمية المصرية محليًا ودوليًا.
إذا صدر قانون حرية تداول المعلومات في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإنه سيسجل كإحدى المحطات التشريعية الفارقة في مسيرة بناء الجمهورية الجديدة، وخطوة نوعية تنقل الدولة المصرية إلى مرحلة أكثر تقدمًا من مراحل الحداثة المؤسسية والحوكمة الرشيدة، فالدول الحديثة لا تقاس فقط بحجم مشروعاتها الكبرى أو قدراتها الاقتصادية والعسكرية.
التحديث السياسي
وإنما أيضا بقدرتها على إتاحة المعرفة وتعزيز الشفافية وترسيخ حق المواطن في الوصول إلى المعلومات، ومن ثم فإن إقرار هذا القانون سيكون رسالة واضحة تؤكد ثقة الدولة في مؤسساتها، وإيمانها بأن المعرفة حق، وأن الشفافية قوة، وأن المواطن شريك في التنمية وصنع المستقبل، كما سيعكس إدراكا عميقًا لأهمية الإعلام الوطني والصحافة المهنية في دعم الاستقرار وكشف الحقائق ومواجهة الشائعات، بما يجعل هذا القانون أحد أهم الإنجازات التشريعية الداعمة لمسار التحديث السياسي والإداري الذي تشهده مصر خلال السنوات الأخيرة.
إن قانون حرية تداول المعلومات يمثل فرصة تاريخية لبناء بيئة أكثر شفافية وكفاءة، وفرصة للصحافة كي تمارس دورها الحقيقي في خدمة المجتمع، وفرصة للمؤسسات الحكومية والأكاديمية كي تعيد بناء جسور الثقة مع المواطنين، وكلما اتسعت دائرة المعلومات، ارتفعت قيمة الصحفي المهني، وازدادت أهمية المؤسسات القادرة على إدارة المعرفة وتقديمها للرأي العام بوضوح ومسؤولية، لذلك فإن نجاح هذا القانون لن يقاس فقط بصدوره، وإنما بقدرة الدولة ومؤسساتها على بناء ثقافة مؤسسية جديدة تؤمن بأن المعلومة حق، وأن الشفافية قوة، وأن الصحافة شريك أساسي في التنمية وصناعة الوعي الوطني.








