و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

يقدم التسامح في كثير من الأحيان باعتباره قيمة أخلاقية مطلقة، وشعارًا إنسانيًا جامعًا، وكأنه الطريق الأقصر نحو السلام الاجتماعي والاستقرار النفسي، غير أن السؤال الأكثر عمقًا ليس: هل ندعو إلى التسامح؟ بل: هل نمارس التسامح فعلًا؟ وهل ما نعتبره تسامحًا هو قناعة إنسانية راسخة، أم مجرد سلوك اجتماعي مؤقت تفرضه المصالح والظروف وموازين القوة؟

في المجتمعات الحديثة، أصبح مفهوم التسامح جزءًا من الخطاب السياسي والثقافي والإعلامي، الجميع يتحدث عنه، المؤسسات تتبناه، والدول ترفعه كشعار حضاري، لكن خلف هذا البريق النظري، تظهر تناقضات كبيرة تكشف أن الإنسان لا يزال عاجزًا عن قبول الاختلاف الكامل، خاصة عندما يمس معتقداته أو مصالحه أو هويته الاجتماعية.

ففي اللحظة التي يتحول فيها الاختلاف إلى تهديد مباشر لقناعات الفرد أو نفوذه أو صورته الذهنية عن العالم، يتراجع التسامح تدريجيا، ويظهر الميل إلى الإقصاء أو التخوين أو حتى الكراهية، وهنا يصبح التسامح مشروطا لا مطلقًا، نتسامح مع من يشبهنا، أو مع من لا يهدد موقعنا، لكننا نضيق بمن يختلف معنا جذريًا.

التسامح الحقيقي لا يعني الموافقة على كل شيء، ولا التخلي عن المبادئ أو القبول بالخطأ، بل يعني الاعتراف بحق الآخر في أن يكون مختلفًا دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى مبرر للعداء أو الإلغاء، وهذه هي النقطة الأكثر تعقيدًا؛ لأن كثيرًا من البشر يخلطون بين النقد والكراهية، وبين الدفاع عن القيم ورفض وجود الآخر.

وفي المجال السياسي تحديدًا، يستخدم مفهوم التسامح أحيانا بصورة انتقائية، فالدول الكبرى تتحدث عن التسامح وحقوق الإنسان حين يخدم ذلك مصالحها، لكنها قد تدعم الحروب أو العقوبات أو التدخلات حين تتعارض المبادئ مع الحسابات الاستراتيجية، كذلك داخل المجتمعات، قد يطالب البعض بحرية الرأي طالما كانت الآراء متوافقة مع توجهاتهم، لكنهم يرفضون الرأي المخالف حين يقترب من مناطقهم الفكرية الحساسة.

أما على المستوى الاجتماعي، فالتسامح غالبًا ما يتعرض لاختبار حقيقي داخل الأسرة والعمل والدوائر القريبة، لا في الشعارات العامة، فمن السهل أن نتحدث عن قبول الآخر نظريًا، لكن الأصعب هو أن نتقبل اختلافًا يمس أسلوب الحياة أو الأفكار أو الطباع أو القرارات الشخصية، وهنا تظهر الفجوة بين الصورة التي نحب أن نراها عن أنفسنا، وحقيقتنا الإنسانية المعقدة.

اللافت أيضا أن وسائل التواصل الاجتماعي كشفت هشاشة مفهوم التسامح المعاصر، فقد تحولت كثير من المنصات إلى ساحات استقطاب حاد، حيث يسارع الأفراد إلى إصدار الأحكام والإدانة الجماعية والتنمر الرقمي، وكأن الاختلاف أصبح جريمة تستحق العقاب المعنوي الفوري، هذا المناخ خلق ما يمكن وصفه بـ "التسامح الظاهري"، حيث يبدو الجميع متقبلين للآخر ما دام بعيدًا عن دوائر الاحتكاك المباشر.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن البشرية قطعت شوطا مهمًا في ترسيخ بعض قيم التعايش مقارنة بعصور سابقة شهدت حروبًا دينية وعرقية أكثر عنفًا، لكن التقدم القانوني والمؤسسي لا يعني بالضرورة أن الإنسان تخلص من نزعات التعصب الكامنة داخله، فما زالت الأزمات الاقتصادية والسياسية والهوياتية قادرة على إحياء الانقسامات بسرعة كبيرة.

الحقيقة أن التسامح ليس حالة مثالية مستقرة، بل معركة يومية يخوضها الإنسان مع ذاته قبل أن يخوضها مع الآخرين، إنه اختبار للنضج الفكري والقدرة على ضبط الانفعال والتمييز بين الاختلاف والتهديد، ولذلك فإن السؤال: "هل نتسامح حقًا؟" قد لا تكون إجابته نعم أو لا بشكل قاطع، بل ربما تكون الإجابة الأدق: نحن نحاول أن نتسامح، لكننا لم ننجح بالكامل بعد.

الأحكام البشرية

فالتسامح الحقيقي يبدأ عندما نقبل أن العالم لن يكون نسخة واحدة منا، وأن التنوع ليس خطرًا دائمًا، بل جزء طبيعي من الوجود الإنساني، وكلما ازداد الإنسان وعيًا وتعليمًا وثقة بنفسه، أصبح أكثر قدرة على التعايش دون خوف، وأكثر استعدادًا لأن يمنح الآخرين حق الاختلاف دون أن يشعر بأن هويته مهددة.

وفي النهاية، يبقى الإنسان بين نية  يُخفيها، وفعل يعلنه، وبين حقيقة يعلمها الله وحده مهما أتقن تبريراته وصورته أمام الناس، قد تختلط الأوراق، وتتداخل الادعاءات، ويصعب أحيانا التمييز بين من يسعى للإصلاح حقا ومن يوظف الشعارات لتحقيق مصالحه، لكن تبقى العدالة الإلهية أعمق من كل الأحكام البشرية، ولهذا جاء القول الإلهي الحاسم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾، إنها آية تختصر حقيقة كبرى؛ أن النوايا لا تضيع عند الله، وأن الزمن مهما طال كفيل بكشف الفارق بين من يبني ومن يهدم، بين من يعمل للناس ومن يعمل على الناس، وبين من يحمل الخير بصدق ومن يتخفى خلفه لتحقيق غايات أخرى. 

ولذلك فإن أعظم ما يحتاجه الإنسان ليس فقط أن يبدو صالحا، بل أن يكون كذلك في السر قبل العلن، لأن الحكم الأخير ليس للبشر، بل لمن يعلم خفايا القلوب ودقائق المقاصد.

تم نسخ الرابط