في لحظة هدوء نادرة، حين يخفت ضجيج العالم من حولنا، ويصمت كل شيء إلا صوت الروح، يجد الإنسان نفسه وجهًا لوجه أمام أسئلة لم يعتد الهروب منها فحسب، بل اعتاد أيضًا أن يؤجل الإجابة عنها، أسئلة لا تتعلق بما نملك، ولا بما حققناه، ولا بما نطمح إليه، بل تتعلق بما نحن عليه حقًا، وإلى أين نمضي، ولماذا نعيش، وما الذي يستحق كل هذا الركض الذي لا يتوقف.
جلست مع نفسي بجلسة صدق خالصة، مجردا من أعباء الحياة وأقنعتها الكثيرة، وأخذت أتأمل هذه الرحلة الطويلة التي نسميها العمر، تأملت كيف بدأنا ضعفاء لا نملك لأنفسنا شيئا، وكيف أحاطتنا يد العناية الإلهية منذ نعومة أظافرنا، ترعانا وتحفظنا وتدبر لنا شؤوننا في كل مرحلة من مراحل حياتنا، من الذي حفظ قلوبنا الصغيرة وهي تخفق للمرة الأولى؟ ومن الذي ساق إلينا أسباب النجاة في مواقف لم نكن ندرك خطرها؟ ومن الذي فتح لنا أبوابا كنا نظنها مغلقة إلى الأبد، وأغلق في وجوهنا أبوابا لم نكن نعلم أن خلفها شقاء وألما؟ إنها رحمة الله التي سبقت أعمارنا، ورافقت خطواتنا، وأحاطتنا بلطفها في كل منعطف من منعطفات الحياة.
ذكريات بعيدة
وحين عدت بذاكرتي إلى الوراء، أدركت أن السنوات التي عشناها لم تكن في حقيقتها سوى لحظة واحدة امتدت قليلًا ثم أوشكت على الانتهاء، كنا بالأمس أطفالًا نتعلق بأحلام صغيرة، ثم أصبحنا شبابا نحمل طموحات أكبر، ثم وجدنا أنفسنا فجأة أمام مسؤوليات الحياة، نبني البيوت، وننشئ الأسر، وننجب الأبناء، ونشيع الأحبة إلى مثواهم الأخير، كل شيء مر بسرعة مدهشة، حتى إننا لا نكاد نصدق أن تلك الوجوه التي كانت تملأ أيامنا قد غابت، وأن تلك الأحلام التي كنا نؤجلها إلى الغد أصبحت ذكريات بعيدة.
الحياة، حين ننظر إليها من بعيد، تبدو طويلة وممتدة، لكنها حين تعاش، تبدو أقصر مما نتخيل، إنها أشبه بومضة خاطفة بين ميلاد لا نتذكره وموت لا نعرف موعده، وبين هاتين اللحظتين القصيرتين، ننشغل بما لا يستحق، ونتصارع على ما لا يدوم، ونستهلك أعمارنا في سباق لا خط نهاية له.
فلماذا نتقاتل على دنيا زائلة؟ ولماذا نفتك ببعضنا البعض من أجل مكاسب مؤقتة؟ ولماذا نسمح للمال والسلطة والشهرة والرغبات العابرة أن تحولنا إلى خصوم، بل وأحيانًا إلى أعداء؟ لماذا نثقل قلوبنا بالأحقاد، ونملأ أرواحنا بالحسد، ونقضي سنوات طويلة في منافسات لا تنتهي، وكأننا سنبقى هنا إلى الأبد؟.
إن أكثر ما يثير الدهشة أن الإنسان، رغم يقينه بـالموت، يتصرف وكأنه استثناء من هذه القاعدة الكونية، يشيع الناس إلى قبورهم، ويبكي على فراقهم، ثم يعود إلى صراعاته اليومية وكأن الرسالة لم تكن موجهة إليه، ينسى أن الموت ليس حدثًا يخص الآخرين، بل حقيقة تخصه هو أيضًا، وأن دوره في هذا المشهد آتٍ لا محالة.
الحقيقة المؤكدة التي لا يختلف عليها اثنان بصوت الشيخ الشعراوي هي أن الموت سهم أُطلق نحو كل إنسان منذ لحظة ميلاده، وأن العمر ليس سوى المسافة التي يقطعها هذا السهم حتى يبلغ هدفه، نحن لا نعلم سرعة هذا السهم، ولا نعرف متى يصل، لكننا نعلم يقينا أنه لن يخطئ طريقه أبدًا، وكل يوم يمر من أعمارنا ليس إضافة إلى رصيد حياتنا، بل خصم منه، واقتراب خطوة أخرى من النهاية المحتومة.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كان المصير واحدًا، فلماذا كل هذا الصراع؟ لماذا نحول رحلة قصيرة إلى ساحة معركة مفتوحة؟ ولماذا نضيع أعمارنا في جمع ما سنتركه حتمًا خلفنا؟
إن جوهر الصراع الإنساني ليس الحاجة، بل الغفلة، الغفلة عن حقيقة الدنيا، والغفلة عن هشاشة وجودنا، والغفلة عن أن كل ما نملكه اليوم سيصبح يومًا ما ملكًا لغيرنا، فالدنيا لم تكن يوما ملكا لأحد، ولن تبقى لأحد، تعاقبت عليها أجيال لا تحصى، مروا من هنا حاملين أحلامهم وصراعاتهم وانتصاراتهم وهزائمهم، ثم رحلوا جميعًا، وبقيت الأرض شاهدة على أن كل شيء إلى زوال.
لقد انشغل الإنسان عبر التاريخ بالصراع على المال، ثم اكتشف أن المال لا يشتري الطمأنينة، وصارع من أجل السلطة، ثم أدرك أن النفوذ لا يمنح الخلود، وركض خلف الشهرة، ثم اكتشف أن الأسماء اللامعة تخبو كما تخبو النجوم عند الفجر، إننا في كثير من الأحيان لا نتصارع على الأشياء ذاتها، بل نتصارع على أوهام صنعناها حولها، أو على شعور زائف بالأهمية، أو على رغبة دفينة في إثبات الذات بأي ثمن.
أما جوهر الفلسفة الحقيقية، فليس في تعقيد المصطلحات، ولا في كثرة الجدل، بل في القدرة على التأمل الصادق في طبيعة الوجود. أن نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا: ما الذي يستحق حقًا أن نمنحه أعمارنا؟ وما القيمة التي سنتركها خلفنا حين نرحل؟ وما معنى أن يربح الإنسان الدنيا كلها، إذا خسر سلامه الداخلي، أو فقد إنسانيته، أو أهدر عمره في صراعات لا طائل منها؟
إن الحكمة ليست في أن نملك الكثير، بل في أن نحتاج إلى القليل، وليست في أن ننتصر على الآخرين، بل في أن ننتصر على أنفسنا، وعلى جشعها، وغرورها، وتعلقها المفرط بما يفنى، فالحياة ليست ميدانًا لجمع الغنائم، بل فرصة قصيرة لصناعة الأثر الطيب، وبناء المعنى، وترك ذكرى جميلة في قلوب من نحب.
أعظم خسارة
لقد آن الأوان أن نراجع أولوياتنا، وأن نتصالح مع حقيقة وجودنا، وأن ندرك أن الأيام تمضي أسرع مما نظن، وأن اللحظات التي نؤجل فيها الحب، والتسامح، والرحمة، قد لا تعود أبدًا، فالموت لا ينتظر اكتمال أحلامنا، ولا يمنحنا فرصة إضافية لتصحيح أخطائنا، كفانا عبثا، وكفانا انشغالًا بسراب نظنه حقيقة، فالحياة قصيرة، والدنيا عابرة، والموت أقرب إلينا من ظلالنا، وما يستحق أن نعيش من أجله حقا ليس ما نملكه، بل ما نمنحه، ليس ما نجمعه، بل ما نتركه من أثر؛ ليس ما نأخذه من الحياة، بل ما نقدمه لها.
وحين يصل إلينا السهم الأخير، لن نسأل عن أرصدتنا، ولا عن مناصبنا، ولا عن انتصاراتنا الصغيرة، بل سننظر إلى أعمارنا كلها وكأنها لحظة واحدة مرت سريعًا، وسندرك متأخرين أن أعظم خسارة لم تكن فيما فقدناه من الدنيا، بل فيما أضعناه من أنفسنا ونحن نتصارع على سراب.


