في الأسبوع الماضي، قلنا إننا "ذاهبون إلى حرب أوسع"، وهو ما بدأت بواكيره في الظهور والتدافع تباعًا خلال الأيام الماضية، وفي صورة حرب قصيرة مجددة بين إسرائيل وإيران، ثم حرب تبعتها بين أمريكا وإيران، وهو ما نعتقد أنه سيتوالى بحدة وسخونة أكثر، وزمن أطول.
فقد غادرت إيران موقع الدفاع بعد تلقي ضربات أمريكية "إسرائيلية"، وصارت تبادر بالهجوم، على نحو ما حدث في قصف إيران الصاروخي لكيان الاحتلال، وفي منطقة الشمال الفلسطيني المحتل، وبالضبط حيث هددت سابقًا بقصف فوري إذا هاجمت "إسرائيل" ضاحية بيروت الجنوبية.
وزادت الصواريخ الإيرانية من توسع مدى استهدافاتها من "كريات شمونة"، ثم إلى "حيفا" و "تل أبيب"، وتحرك حلفاء جبهة المقاومة للمشاركة مع إيران، من "حزب الله"، الذي واصل حربه الضارية مع الاحتلال "الإسرائيلي" في الجنوب اللبناني، إلى جماعة "أنصار الله" اليمنية، فقد عاد الحوثيون إلى إطلاق مسيراتهم وصواريخهم باتجاه كيان الاحتلال من "إيلات" إلى "تل أبيب"، وتحرك الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لإيقاف الاشتباك فورًا، بالتنسيق مع "إسرائيل"، وتظاهر بدور حكيم الزمان ورجل السلام، وطلب من "إسرائيل" وإيران وقف الهجمات المتبادلة، وهو ما حدث فعلًا.
رجل الحرب
ولم تكد تمر أيام، بل ساعات، حتى تحول "ترامب" من دور "حمامة السلام" إلى رجل الحرب، فقد بادرت إيران هذه المرة إلى شن هجوم آخر، وأسقطت طائرة "أباتشي" أمريكية متطورة، واشتعل جنون "ترامب"، وهدد بانتقام حازم وساحق، وأمر بشن غارات على منصات دفاع جوي، وعلى خزانين لمياه الشرب في محافظة "هرمزجان" الجنوبية، وهنا كان رد إيران على 25 موقعًا وقاعدة عسكرية أمريكية في "البحرين" و"الكويت" و"الأردن"، وقالت إيران إنها أصابت سبعين بالمئة من أهدافها، وأعلنت بعدها وقفًا موقوتًا لغارات مسيَّراتها وصواريخها، وهددت بالعودة الفورية إذا عاد الأمريكيون لشن عدوان جديد، وهو ما ذهب إليه "ترامب" فعلًا.
ومما يلفت النظر فيما جرى ويجري وسيجري، أن إدارة "ترامب" الأمريكية واصلت الحديث العشوائي عن قرب توقيع "مذكرة التفاهم" مع إيران لوقف الحرب، بل وأعلن "جي دي فانس"، نائب الرئيس الأمريكي، وقد كان رئيسًا لوفد التفاوض مع إيران في باكستان، أنه يتوقع اكتمال الاتفاق مع إيران خلال أيام، وذلك بينما كان الصدام الحربي الأخير جاريًا مع طهران، ثم أضاف: "أو بعد عدة أشهر"، وهو ما يعكس اضطراب وتشوش الصورة لدى فريق "ترامب"، الذي زعم أن الهجوم الأخير على إيران مجرد "عمل دفاعي".
كما أعلن الأمريكيون مرارًا أن أعمالهم الموصوفة بالزعم الدفاعي لا تنهي وقف إطلاق النار المعلن من قبلهم منذ 8 أبريل 2026، أي في نهاية حرب الأربعين يومًا الأولى منذ بدء العدوان الأمريكي "الإسرائيلي" صباح 28 فبراير 2026، التي خرج منها "ترامب" صفر اليدين تقريبًا، وإن واصل "إسكتشاته" الفكاهية عن النصر "العظيم" و"الرائع" الذي حققه.
بينما بدت شريكته "إسرائيل" ومحرضه "بنيامين نتنياهو" في مواقع أشد خزيًا، فالنظام الإيراني الذي ذهبوا لإسقاطه من أول يوم حرب، وروجوا لدعوى أنهم فعلوا ذلك بعد اغتيال المرشد الإيراني الراحل "آية الله علي خامنئي"، لم يسقط بعد قطع رأسه، وانتقلت القيادة بسلاسة إلى نجله "مجتبى خامنئي"، الأصغر سنًا والأكثر تصلبًا، وصار النظام أكثر تماسكًا وحيوية، ومدعومًا من ملايين الناس المؤيدين في الشوارع، مع دور غالب للحرس الثوري، ولمقر "خاتم الأنبياء" المركزي، ودوره التنسيقي بين الحرس وقوات الجيش.
بينما لم تُفك ألغاز "مجتبى" نفسه، وقد ظل متواريًا عن الأنظار لاعتبارات أمنية، وإن بدأت السلطات الإيرانية الرسمية في نشر تقارير مفصلة عن سلامته الصحية بعد إصابته في حادث اغتيال أبيه، واضطر "ترامب" نفسه إلى الإعلان عن رغبته في لقاء واتفاق مباشر مع "مجتبى"، بينما قالت السلطات الإيرانية إن اللقاء مع "ترامب" ليس واردًا على جدول أعمال "مجتبى"، وإن الأخير هو صاحب قرار الحرب وتوجيهات التفاوض معًا.
وعلى النقيض من فوضى الموقف الأمريكي، بدت طهران أكثر صلابة واتساقًا، وجرى توزيع عمل مدروس بين قادة السلاح وقادة التفاوض، وأعلن "محمد باقر قاليباف"، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، أن المسار العسكري والمسار الدبلوماسي متكاملان ومتلازمان، وأن كل شيء يجري بتوجيهات المرشد الجديد "مجتبى خامنئي" وأوامره الملزمة. ولم يتزحزح الموقف الإيراني التفاوضي قيد أنملة، وواصل التزامه بحقوق الشعب الإيراني والأمن القومي للجمهورية الإسلامية.
ثم كانت براعة المفاوضين الإيرانيين ظاهرة طوال الوقت، فقد أزاحوا عن طاولة التفاوض مناقشات البرنامج الصاروخي الباليستي، وطبيعة العلاقات مع حلفاء إيران من جماعات المقاومة العربية، خاصة مع أعرقها "حزب الله" اللبناني، الذي واصلت إيران دعمه ماليًا وتسليحيًا، رغم الانقطاع الرسمي لطريق الإمداد السوري، وهو ما بدا ظاهرًا في الصورة المقتدرة عسكريًا لجماعة "حزب الله" في ميدان الحرب مع الاحتلال الإسرائيلي، وفي التطور التقني اللافت لأسلحته الجديدة، خاصة في الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف الضوئية.
وشكلت هذه الطائرات المسيرة "الانقضاضية" صداعًا متصلًا لجيش الاحتلال "الإسرائيلي" وقادته، الذين لم يجدوا حلًا "تكنولوجيًا" لمواجهتها، واكتفوا بإخفاء مدرعاتهم وجرافاتهم وجنودهم وضباطهم وراء شباك بدائية، ثم أصبحت الطائرات الانقضاضية الخطرة تعمل وتصيب أهدافها في ظلام الليل أيضًا، مع نجاح الحزب في حفظ وتطوير ترسانته الصاروخية، وتحوله إلى إدارة حرب عصابات متطورة تقنيًا، ووفاء طهران بتعهداتها في مساندة قوات "حزب الله" لحظة الخطر، وعلى نحو ما فعلت أخيرًا بشن الهجوم الصاروخي على كيان الاحتلال بعد قصفه للضاحية الجنوبية، بما أعطى مصداقية مضافة للموقف الإيراني تجاه الحلفاء، وربطه وقف الحرب على إيران بوقفها على جبهة لبنان، واشتراط انسحاب قوات الاحتلال من كامل الجنوب اللبناني.
وحتى في موضوع الملف النووي الإيراني، تصر طهران على تأجيل بحثه إلى ما بعد وقف الحرب نهائيًا، ولا تلقي بالًا لأوهام "ترامب" عن تفكيك المنشآت النووية الإيرانية، و"تصفير" تخصيب اليورانيوم، ونقل 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة إلى واشنطن.
وقد اعترف "ترامب" علنًا أن خططًا عُرضت عليه من جنرالاته لقنص يورانيوم التخصيب العالي ونقله إلى أمريكا، وأنه امتنع عن الأمر بالتنفيذ خوفًا من الخسائر البشرية لجنوده، خاصة أن أحدًا لا يعلم بالضبط أين يوجد مخزون يورانيوم التخصيب العالي، الذي يمكن استخدامه في صناعة أكثر من عشر قنابل ذرية، وقال "ترامب" إنه يفضل تسلمه من الإيرانيين طوعًا، وهو ما لا يبدو ممكنًا، مع رفض إيران، التي تفضل معالجته على أرضها، حتى لو أوحت بعض التصريحات الإيرانية أن طهران قد تقبل بنقله مؤقتًا إلى الحلفاء في روسيا أو الصين، ثم استعادته في صورة وقود نووي لتشغيل منشآتها ومفاعلاتها ومحطاتها النووية.
الشروط السيادية
وهو ما يبدو أن "ترامب" أحيانًا متجاوبٌ معه، وفي أحيان أخرى ينتقل إلى موقع الرفض، وبالذات حين تشتد عليه ضغوط "اللوبي الصهيوني" الموالي لإسرائيل و"نتنياهو" في واشنطن، التي تدفعه نفسيًا إلى الإعلان، غير مرة، أن القرار بيده لا بيد "نتنياهو"، وأنه ذاهب إلى صدام استراتيجي مع إيران، وعلى أملٍ كاذبٍ أن تضطر طهران في النهاية إلى قبول شروط الاستسلام.
ولا تبدو إيران مستعدة، في أي وضع، لتراجع جوهري، وقد نجحت في جعل قضية "مضيق هرمز" في الصدارة، وهي تطرح معادلة فتح "مضيق هرمز" بشروطها السيادية، مقابل إنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية الجنوبية. وشجعها فشل الأمريكيين المتكرر في فتح المضيق بالقوة العسكرية، ونجاح إيران في الاحتفاظ بسيطرة كاملة على المضيق وحركة السفن والناقلات فيه، وتوصلها إلى تفاهم ضمني مع سلطنة عمان على الشاطئ الجنوبي للمضيق، ثم إبداؤها استعدادها لدفع الحوثيين إلى إغلاق مضيق "باب المندب" في الوقت المناسب، وشل حركة التجارة والنقل العالمية عبر المضيقين المهمين، وبالذات بعد اشتراط إيران الإفراج عن 24 مليار دولار من أموالها المجمدة قبل فتح "مضيق هرمز".
وبالجملة، فإن المفاوضات الإيرانية الأمريكية واصلة إلى نقطة اختناق، وما من أفق لانفراج قريب محتمل، بينما أيدي كل الأطراف، وأولها إيران، على الزناد، وقد تتسع رقعة الحروب والاشتباكات الموقوتة، وتشتعل الحرب بطول وعرض المنطقة، خصوصًا مع تزايد الضغوط وعودة نذر الحرب المتجددة من إيران إلى لبنان وغزة واليمن، ومع ميل إيران المتزايد إلى المبادرات الهجومية، وعدم انتظار ضربات العدو الأمريكي "الإسرائيلي"، ثم الرد الدفاعي عليها بعد حين. فقد تحول الزمن الأول، وصرنا بصدد معادلات جديدة وتوازن سلاح مختلف.








