و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

بيروت هي عاصمة الدولة اللبنانية كما يعلم الكافة، لكن "بنت جبيل" في الجنوب اللبناني هي عاصمة العاصمة، "بنت جبيل" هي عنوان لبنان الحقيقي اليوم وغدا، هي في التقسيم الإداري اللبناني توصف بالمدينة، وإن كانت في المعايير الدولية مجرد قرية ، يزيد عدد سكانها قليلا على خمسة آلاف، وقد ظلت لأسابيع طويلة شوكة في حلق الغزو "الإسرائيلي" الجديد بعشرات الآلاف من الجنود وفرق النخبة، واستمات العدو "الإسرائيلي" في محاولات السيطرة عليها من جديد، ليس فقط لأهميتها الظاهرة في مناطق جنوب نهر "الليطاني"، بل لطابعها الرمزي الناطق، فمن قلب ملعبها، أعلن الشهيد "حسن نصر الله" نصره العزيز، وأعلن أن كيان الاحتلال "الإسرائيلي" أوهى من بيت العنكبوت.

وها هو «نصر الله» يعود من جديد، وكأنه قام من قبره، ويشد على أيادي بضعة مقاتلين من "حزب الله" في "بنت جبيل"، صنعوا ويصنعون بصمودهم أسطورة حية، وكبدوا ويكبدون جيش الاحتلال خسائر فادحة في الدبابات والجنود والضباط، وكأنهم يقولون للراحل الشهيد من وراء الحجب، أن غرسك قد أثمر يا سيد شهداء الأمة، وأن قوة لبنان في مقاتليه الأشداء، وليس في مفاوضات الخزي والعار في مقر الخارجية الأمريكية بواشنطن، ولا في التقاط الصور التذكارية مع "ماركو روبيو" وزير الخارجية الأمريكي الباهت، ولا في المفاوضات المباشرة التي يعد لها في عواصم أخرى بين حكومة لبنان وإسرائيل، التي دعت حكومة لبنان للقتال معا ضد ما أسمته احتلال "حزب الله" الإيراني.

وكأن الآيات انقلبت، وتحول المحرر إلى صفة المحتل، فحزب الله هو الذى حرر الجنوب اللبناني بعد احتلال دام لنحو عقدين، بدأ باجتياح بيروت نفسها في حملة الجنرال "شارون" عام 1982، وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية، ونشأة جماعات المقاومة الوطنية اللبنانية، وإسقاط ما أسمى اتفاق 17 مايو 1983 مع إسرائيل، ونشأة جماعة "حزب الله" وتفردها تقريبا بالمقاومة في الجنوب، الذى تراجع إليه الاحتلال، وخوضه حرب عصابات طويلة المدى توجت بانسحاب العدو بغير قيد ولا شرط من كامل الجنوب، الذى عادت إسرائيل لغزوه، في حرب 2006، ولحقت بها الهزيمة والعار نفسه مجددا، وأعلن «نصر الله» الأمين العام التاريخي لحزب الله نصر لبنان الباهر من "بنت جبيل"، نفس البقعة التي خاطبها مؤخرا "نبيه برى" رئيس مجلس النواب اللبناني وابن الجنوب بعبارات وجدان مؤثرة، قال فيها "بنت جبيل التي تعلمت فيها الوقت والمسافة والصبح والحياة والأناشيد والحرية والوحدة والعروبة وفلسطين والمدى والصدى والهوى والردى ".

المقاومة العنيدة

ومن هوى الجنوبي "نبيه برى" قائد حركة «أمل»، التي سبقت "حزب الله" إلى حومة الميدان، وأعلن مؤسسها الشهيد الإمام موسى الصدر أن إسرائيل سرطان، سرى حس المقاومة العنيدة لمقاتلي "بنت جبيل" إلى الوطن اللبناني كله، وإلى كل لبناني وطني صاحب ضمير حي، حتى وإن اختلف الهوى السياسي والفكري، وتغايرت انتسابات الطوائف، وأصدرت القوى والأحزاب الناصرية اللبنانية بيانا أكدت فيه رفضها القاطع للمفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني "الذى يستبيح أمننا الوطني، ويمارس أبشع أنواع الإجرام النازي بحق المدنيين من قتل وتدمير وتهجير".

وأشادت القوى الناصرية اللبنانية بمشروع القانون الذى قدمه النائب "أسامة سعد" ـ الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري ـ حول تجريم العلاقة أي علاقة مع العدو الصهيوني، وتأمل "من الكتل النيابية الموافقة عليه ورفض أي شكل من أشكال العلاقة مع العدو الصهيوني "، ولا يعد مشروع قانون «سعد» غريبا ولا مقحما على السيرة الوطنية والدستورية والميثاقية للدولة اللبنانية، فالوضع القانوني القائم بالفعل في لبنان، لايزال يستند إلى مواريث مقاطعة العدو الصهيوني، ويحرم ويجرم إقامة أي علاقات مع العدو، سواء في قانون المقاطعة الذى لا يزال ساريا، أو في وثيقة «الطائف» و«الوفاق الوطني»  التي طوت زمن الحرب الأهلية الدموية بين عام 1975 إلى عام 1990، وقيمة بيان الناصريين اللبنانيين، أنه يضاف إلى مواقف قوى وطنية أخرى.

بينها موقف الزعيم الدرزي "وليد جنبلاط" قيادي "الحزب الاشتراكي التقدمي"، الذي طالب بإغلاق ملف البحث عن اتفاق سلام وتطبيع من خلال المفاوضات المباشرة، وطالب بأن يقتصر التفاوض على وقف إطلاق النار واستعادة الأسرى وانسحاب قوات العدو من الجنوب اللبناني إلى ما وراء الحدود الدولية، وكأن "وليد جنبلاط" يستعيد بعضا من وهج أبيه "كمال جنبلاط" قائد الحركة الوطنية اللبنانية في زمانه،

وهذه الإشارات المتفرقة تبرز للعيان، أهمية وجدوى بعث جبهة وطنية لبنانية جامعة عابرة للطوائف، تحتضن وتدافع عن مقاومة الجنوب ذات الطابع الشيعي الاستشهاد، فالبيئة الشيعية هي التي تتحمل ولا تزال العناء الأكبر، وهي الأكثر تأثرا بالقصف والقتل والنزوح.

وقد بلغ عدد النازحين إلى اليوم أكثر من مليون ومئتي ألف من الجنوب والضاحية الجنوبية، واحتضنتهم بيئات اجتماعية من طوائف لبنانية أخرى مسيحية ودرزية وسنية، لكن التركيب الطائفي للنظام السياسي اللبناني، وتصدر الأحزاب الطائفية للمشهد، وتزوير الكثير منها لحقيقة الألم اللبناني، وميل أحزاب طائفية موصومة وقيادات سياسية إلى تغليب المحبة والولاء لكيان الاحتلال على أولوية المصلحة الوطنية اللبنانية، واعتبار أن الهدف الأسمى هو نزع سلاح حزب الله، وليس نزع السكين "الإسرائيلي" من رقبة لبنان والجنوب بالذات، واصطفاف غالب كيانات اليمين المسيحي مع جماعات تنتسب زورا إلى سنة لبنان، وقد كانت البيئة السنية هي الحاضنة التاريخية لنداءات العروبة والمقاومة والعداء لكيان الاحتلال.

الهوان والتطبيع

ومع انقلابات الوضع العربي بعامة، والميل المجاني إلى الخضوع والهوان والتطبيع والعمل في خدمة إسرائيل، توالت انشقاقات والانحرافات في البيئة السنية وبعض الشيعية، ولعبت فوائض المال البترولي دورا سلبيا مؤثرا في لبنان، الذى كان دائما مرآة عاكسة لما يدور في المنطقة، وهكذا تكون اصطفاف عظيم الأذى في دوائر الإعلام والسياسة اللبنانية، يقلب الحقائق رأسا على عقب، ويكون ما قد تصح تسميته "حزب إسرائيل" في لبنان، الذى يحول معنى السيادة اللبنانية إلى معنى "السيادة الإسرائيلية"، ويجعل من نزع سلاح حزب الله قضية القضايا، ويستجيب بالغرائز المفتعلة إلى الأولويات المعلنة لحكومة العدو الإسرائيلي، ولخطة رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" بالذات، الذى قبل أخيرا استجداء السلطة اللبنانية لمفاوضات مباشرة مع "إسرائيل".

ووضع للتفاوض هدفا واحدا من شقين، أولهما نزع سلاح "حزب الله"، ثم الوصول لاتفاق تطبيع "إبراهيمي" مع لبنان، ودونما تطرق إلى وقف فورى لإطلاق النار ولا انسحاب لقوات الاحتلال، ومع أن التاريخ لا يعيد نفسه دائما لاختلاف الظروف، إلا أن الحوادث قد تتشابه، ويحكمها القانون نفسه، فقبل أكثر من أربعين عاما، كانت القوى ذاتها التي تعادى "حزب الله" اليوم، وتعادى المقاومة الوطنية اللبنانية، هي ذاتها التي كانت تعادى المقاومة الفلسطينية وقوات منظمة التحرير زمن ياسر عرفات، وكانت القوى ذاتها تستعين بإمدادات السلاح "الإسرائيلي" سرا وجهرا، وتشارك قوات الاحتلال في تنفيذ مذابح "صابرا وشاتيلا" وغيرها، وتعقد ما أسمته اتفاق سلام في 17 مايو 1983، وكان رمز الحدث وقتها "بشير الجميل " قائد ما يسمى "القوات اللبنانية "، التي يقود سميتها اليوم "سمير جعجع "، أعدى أعداء "حزب الله"، ليس لأن "حزب الله" شيعي، بل لأنه يقاوم "إسرائيل" ويتحالف مع إيران.

وقد صبر "حزب الله" طويلا وتحملت عناصره وبيئته كل الأذى وفواتير الدم والمعاناة والاغتيالات طوال خمسة عشر شهرا، أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، لم يطلق الحزب فيها رصاصة واحدة ردا على عشرات آلاف الانتهاكات وصنوف العدوان، وأفسح المجال للسلطات اللبنانية، التي تخلفت عن أداء الواجب الوطني في رد الاعتداءات، وتفرغت لما يسمى حصر السلاح وخطط نزع سلاح حزب الله ، ثم جعلت من سلاح الحزب كيانا محظورا ، بعد استئنافه القتال مع كيان الاحتلال، وبمزيج من معانى الرد على اغتيال المرشد الروحي "علي خامنئي"، والدفاع عن كرامة لبنان والجنوب النازف المستنزف الصابر.

وكان الرد "الإسرائيلي" هو محاولة استعادة ما كان، واحتلال الجنوب مجددا حتى نهر "الليطاني"، وهو ما يقاومه "حزب الله" اليوم مجددا وبشراسة، ويعجز مئات الآلاف من جنود الاحتلال عن التقدم، ويخوض حرب عصابات جديدة متطورة تقنيا، ويصنع الملاحم من "الخيام" إلى "بنت جبيل"، وأضطر جيش الاحتلال لإشهار عجزه منفردا عن نزع سلاح حزب الله، وطالب السلطات اللبنانية بالتعاون معه في قتال "حزب الله"، وهو ما يحمل معه مخاطر العودة لاقتتال طائفي وحرب أهلية مهلكة، حمى الله لبنان ومقاومته من شرورها.

تم نسخ الرابط