قرأتُ قرار المجلس الأعلى للأزهر بتطبيق نظام البكالوريا على طلاب المعاهد الأزهرية، وتصورتُ أن وراء القرار خطةً متكاملةً توضّح فلسفة النظام، ومراحل تطبيقه، وعدد مقرراته، وطرائق تقويمه، وموقع العلوم الشرعية والعربية منه، ومدى جاهزية المعاهد والمعلمين والطلاب لاستقباله.
ثم قرأتُ ما أُعلن بعد ذلك، ولا سيما التصريح المنقول عن وكيل الأزهر الشريف بأن التطبيق سيبدأ بطلاب الصف الأول الثانوي في العام الدراسي ٢٠٢٦/٢٠٢٧، وأن الطالب الأزهري سيدرس المناهج الثقافية المطبقة على طلاب وزارة التربية والتعليم، مع استمرار المواد الشرعية والعربية وعدم المساس بها، ودمجها في النظام الجديد وفق ضوابط يجري إعدادها، وقد أكد القرار الرسمي أن التطبيق سيشمل التقييمات والأداءات والتدريب، مع المحافظة على خصوصية المناهج الأزهرية ومقوماتها.
البكالوريا الدولية
وهنا لا أكتب اعتراضًا على التطوير، ولا أستبق عمل اللجان المختصة؛ بل أضع بين يدي أهل العلم والقرار خبرةً عمليةً امتدت ثماني سنوات متعاقبة، عشتُ خلالها نظام البكالوريا الدولية تدريسًا وتدريبًا وتطبيقًا، وحضرتُ ورش عمل ودورات علمية وعملية، وحصلتُ على شهادات متخصصة فيه، وجبتُ في تحصيل خبرته المشرق والمغرب، من أوروبا وأمريكا إلى الهند والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وها أنا أقدم خبرتي للأزهر الذي تعلمنا منه، لا لننسخ تجربةً أجنبيةً، وإنما لنتبين أولًا معنى البكالوريا، فالاسم واحد، ولكن المكونات والفلسفات والنتائج ليست واحدة.
البكالوريا الدولية ليست امتحانًا جديدًا للثانوية، وليست توزيعًا للمواد على عامين، وليست فرصًا متعددة لتحسين الدرجات، إنها منظومة تربوية متصلة تبدأ من سن الثالثة وتمتد إلى التاسعة عشرة، من خلال أربعة برامج متدرجة: برنامج السنوات الابتدائية، وبرنامج السنوات المتوسطة، وبرنامج الدبلوم، والبرنامج المرتبط بالمسار المهني، ولكل مرحلة خصائصها؛ لكنها جميعًا يجمعها تصور واحد للمتعلم، وللتعليم، وللمعرفة، وللمسؤولية المجتمعية.
فـالبكالوريا الدولية مجموعٌ لا يتجزأ، يبدأ ببناء الطفل الذي يسأل ويبحث ويتأمل، ثم ينمي فيه القدرة على التواصل والتعاون والتحليل، حتى يصل إلى المرحلة النهائية قادرًا على البحث المستقل، وبناء الحجة، ونقد المعرفة، وربط ما يتعلمه بواقعه.
ولهذا يقع في قلب النظام ما يسمى «ملف المتعلم»، وهو مجموعة صفات لا توضع للزينة في مقدمة الكتب، وإنما توجه بناء المنهج، وطريقة التدريس، ونوع السؤال، وعلاقة الطالب بمعلمه ومجتمعه، ويراد للمتعلم في هذا الملف أن يكون باحثًا متسائلًا، وواسع المعرفة، ومفكرًا، ومتواصلًا، وصاحب مبدأ، ومتفتح العقل، ورحيمًا، ومبادرًا، ومتوازنًا، ومتأملًا يراجع نفسه وعمله.
وحين درستُ هذه الصفات ودرّستُها، لم أرها بعيدةً عما يريد الأزهر أن يغرسه في عقول طلابه ونفوسهم، فالباحث "المتسائل" هو طالب العلم الذي لا يكتفي بحفظ القول، وإنما يسأل عن دليله ومأخذه ووجه الاستدلال به، و"واسع المعرفة" هو الطالب الأزهري الذي يجمع بين القرآن والحديث والفقه والعقيدة واللغة والتاريخ والعلوم الثقافية، فلا تحبسه مادة واحدة، ولا تضيق رؤيته بحدود كتاب واحد.
و"المفكر" هو طالب أصول الفقه الذي يميز العام من الخاص، والمطلق من المقيد، والقطعي من الظني، ويجمع بين الأدلة أو يرجح بينها وفق منهج معلوم، و"المتواصل" هو من يحسن البيان، ويملك أدوات اللغة، ويعرض علمه بوضوح، ويدعو بالحكمة، ولا يجعل ضعف العبارة حائلًا بين الحق وبين الناس.
و"صاحب المبدأ" هو الأمين في نقله، الصادق في بحثه، العادل في حكمه، الذي لا ينسب إلى مصدر ما لم يقله، ولا يقتطع النص من سياقه، ولا يغش في امتحان أو بحث، و"المتفتح العقل" هو الذي يسمع القول، ويفهم مأخذ صاحبه، وينصف المخالف، ويميز بين فهم الرأي وقبوله، وهذا هو أدب الخلاف الذي عرفه تراثنا قبل أن يوضع له اسم حديث.
و"الرحيم" هو العالم الذي يثمر علمه نفعًا للناس، والمبادر هو من يواجه مسائل عصره ولا يهرب منها، والمتوازن هو من يجمع بين العقل والنقل، وبين الثبات على الأصول وفهم تغير الأحوال، والمتأمل هو من يحاسب نفسه ويراجع اجتهاده ويعود إلى الحق إذا تبين له، فما يسمى في البكالوريا الدولية «ملف المتعلم» قريب في صفاته العامة من صورة الطالب التي يريدها الأزهر؛ لكن الأزهر يملك لهذه الصفات مرجعيةً إيمانيةً وأخلاقيةً ومضمونًا شرعيًّا ولغويًّا أعمق.
ثم يصل الطالب في المرحلة النهائية من البكالوريا الدولية إلى برنامج الدبلوم، فيدرس ست مواد موزعة على مجموعات معرفية، مع ثلاث مكونات مركزية: "نظرية المعرفة"، و"البحث المطول"، و"الإبداع والنشاط وخدمة المجتمع"، فالنظام لا يسأل الطالب عما يعرفه فقط، وإنما يسأله: كيف عرف؟ وكيف تحقق؟ وكيف بنى حجته؟ وكيف طبق علمه؟ وما أثر تعلمه في نفسه ومجتمعه؟
أما البكالوريا المصرية فهي نظام وطني لإعادة تنظيم المرحلة الثانوية، وتقليل عدد المواد المؤثرة في الشهادة، وتوزيع الدراسة على مسارات، وإتاحة أكثر من فرصة للامتحان والتحسين، وهذه أهداف مهمة في سياق الثانوية العامة المصرية؛ لكنها لا تجعل النظام المصري صورةً من البكالوريا الدولية.
لقد تشابه الاسمان، واختلف البناء، وتشابه الحديث عن المهارات، واختلفت أدوات تحقيقها، فالبكالوريا الدولية منظومة تبدأ من مراحل مبكرة، ولها ملف متعلم ومناهج مترابطة وبحث وتقويم ممتد وإعداد خاص للمعلم؛ أما البكالوريا المصرية فتبدأ في المرحلة الثانوية، وتركز في صورتها المعلنة على المسارات وعدد المواد وفرص الامتحان.
ومن هنا يظهر السؤال الذي ينبغي أن يسبق اللائحة التنفيذية للبكالوريا الأزهرية: هل سيأخذ الأزهر هيكل البكالوريا المصرية، ثم يضيف إليه مقرراته الشرعية والعربية؟ أم سيصنع نظامًا أزهريًّا يستفيد من فلسفة البكالوريا الدولية في بناء المهارات، ومن مرونة النظام المصري في المسارات والامتحانات، ثم يصوغ مضمونه من علوم الأزهر ورسالته؟
إن مقررات الأزهر، من حيث المهارات التي يمكن أن تبنيها والنتائج التي يمكن أن تحققها، أقرب إلى روح البكالوريا الدولية مما نظن، وإن اختلف المضمون والمرجعية، فأصول الفقه نظرية في المعرفة والاستدلال، والحديث تدريب على فحص الخبر ونقد المصدر، والتفسير قراءة للنص في سياقه وجمع بين دلالاته، والفقه تصوير للمسألة وربط للحكم بواقعه، والمواريث تدريب على التفكير الرياضي وحل المشكلات، والنحو والصرف تحليل لبنية اللغة، والبلاغة دراسة للخطاب وأثر نظمه في المعنى.
هذه علوم تفكير وبحث وتحليل في أصلها، وليست علوم حفظ جامد؛ لكن طريقة التدريس والامتحان قد تفرغها من روحها، فتحول أصول الفقه إلى قواعد محفوظة، والبلاغة إلى تعريفات، والحديث إلى نصوص تستظهر، والنحو إلى علامات يلاحقها الطالب من غير أن تحسن لسانه أو كتابته.
ومن واقع ما شهدتُه في ورش العمل والدورات العلمية والعملية، أدركتُ أن الفرق بين المنهج الحي والمنهج المثقل لا يكمن دائمًا في كمية المادة، وإنما في طريقة بنائها، وفي الصلة بين أجزائها، وفي نوع الأسئلة التي تقيسها، والأزهر اليوم أمام فخ مركب، فإن أبقى جميع مواده الشرعية والعربية في كتبها وامتحاناتها المستقلة، ثم أضاف إليها المواد الثقافية نفسها المقررة على طلاب وزارة التربية والتعليم، فقد جمع على الطالب عبء نظامين، وأصبح التيسير المعلن زيادةً في التكليف.
وإن خفّض العلوم الشرعية والعربية أو حذف منها ما يخل بتكوين الطالب، فقد خسر خصوصيته، وأضعف السبب الذي يدفع الأسر إلى اختيار التعليم الأزهري، ولا ينبغي أن نختار بين إثقال الطالب وفقد الهوية؛ بل يمكن حفظ العلم وتقليل أوعيته، وصيانة المضمون وإصلاح طريقة تنظيمه، فعبارة «لا مساس بالمواد الشرعية والعربية» ينبغي أن تعني عدم المساس بجوهر العلوم وغاياتها، لا تحريم مراجعة عدد الكتب والامتحانات وتكرار الموضوعات.
ويمكن أن يعاد بناء العلوم الأزهرية في خمس مقررات مترابطة: البناء اللغوي، ويجمع النحو والصرف، الأدب والبيان، ويجمع الأدب والنصوص والبلاغة، القرآن والتفسير، الحديث والعقيدة، الفقه والمواريث، ولا يعني الدمج أن يدرس معلم واحد جميع فروع المقرر، ولا أن تضيع التخصصات؛ بل يبقى كل معلم في فنه، وتتكامل الخطة والكتاب والامتحان، ويقل عدد الامتحانات التي يحملها الطالب.
ثم تضاف إلى هذه المقررات ثلاث مواد مسارية، فيصبح مجموع مواد الشهادة ثماني مواد موزعة على الصفين الثاني والثالث، بدل أن يحمل الطالب مقررات البكالوريا المصرية، ثم تضاف إليها مواد الأزهر الست عشرة أو ما يقاربها، كما ينبغي أن يضع الأزهر «ملفًا للمتعلم الأزهري» يحدد الخريج الذي يريد صناعته: طالبًا عالمًا بأصول دينه، متقنًا للعربية، باحثًا عن الدليل، ناقدًا للخبر، حسن البيان، أمينًا في علمه، رحيمًا بالناس، منصفًا للمخالف، متوازنًا في نظره، قادرًا على فهم عصره والتواصل معه.
البكالوريا الأزهرية
ثم تتحول هذه الصفات إلى نواتج تعلم واضحة، وأسئلة، وأنشطة، ومواقف يمكن تقويمها، فلا يكفي أن نقول إن الطالب الأزهري وسطي أو صاحب رسالة، ثم تكون امتحاناته عاجزةً عن قياس الفهم والبيان والاستدلال والأمانة العلمية، ولا بد أن يسبق تطبيق النظام تدريب حقيقي للمعلمين، فالمعلم الذي لم يتدرب على بناء السؤال، وتقويم المهارة، وتصحيح البحث، وإدارة النقاش، سيحمل النظام الجديد بأدوات النظام القديم، وحينئذ تتغير الأسماء، وتبقى الحصة تلقينًا، والامتحان حفظًا، والنتيجة كما كانت.
كما يجب أن يراعي النظام أحوال المعاهد في مصر، فلا يبنى على أجهزة لا تملكها الأسر، ولا على منصات لا يصل إليها الطلاب، ولا على مشروعات يدفع الفقير ثمن إعدادها، الأصل أن يعمل النظام بالكتاب والورقة والقلم، وتأتي التقنية معينًا عند توافرها، لا شرطًا للنجاح.
هذه خلاصة خبرتي التي أضعها بين يدي القائمين على الأمر في الأزهر الشريف بعد ثماني سنوات من العمل والتدريب والتعلم، لا أقدمها بوصفها رأيًا لا يقبل المراجعة، وإنما بوصفها دعوةً إلى أن يبدأ بناء البكالوريا الأزهرية من سؤال واحد: أي طالب نريد أن يخرج من الأزهر؟
فإذا اتضحت صورة المتعلم، أمكن بناء المناهج والمسارات والامتحانات. أما إذا بدأنا بالجدول قبل الغاية، وبعدد المواد قبل صورة الخريج، فقد نغير النظام ولا نغير التعليم.
الأزهر لا يحتاج إلى أن يذوب في البكالوريا المصرية، ولا إلى أن يستنسخ البكالوريا الدولية؛ بل يحتاج إلى أن يأخذ من الخبرة العالمية أدواتها، ومن واقعه الوطني ما يلائمه، ومن رسالته علمه وروحه، ثم يصنع بكالوريا أزهريةً لها عقلها ولسانها وغايتها.


