ناشد وزير السياحة بوقف البيع
صرخة لحماية التاريخ.. «الآثاريين العرب» يطالب بمنع بيع مخطوط «البردة» في المزاد
في خطوة تهدف إلى حماية الهوية العربية، وجه المجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب، برئاسة الدكتور محمد الكحلاوي، مناشدة عاجلة إلى شريف فتحي وزير السياحة والآثار، للتدخل الفوري لوقف بيع مخطوطة نادرة لقصيدة البردة للإمام البوصيري، والتي أُعلن عن عرضها للبيع في إحدى صالات المزايدات العالمية.
وأكد الدكتور محمد الكحلاوي في بيانه له – حصل الصفحة الأولى على نسخة منه- أن هذه المخطوطة ليست مجرد قطعة أثرية، بل هي رمز ثقافي وديني يمثل درة مديح الحضارة الإسلامية. وأوضح أن عرض مثل هذه النفائس للبيع في الخارج يعد استنزافاً للذاكرة العربية، مطالباً بضرورة التنسيق مع المنظمات الدولية والقنوات الدبلوماسية لاسترداد المخطوطة أو منع تداولها، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الميراث الإنساني الذي لا يجوز التفريط فيه.
وشدد المجلس في تقريره على أن قصيدة البردة للإمام البوصيري تحظى بمكانة خاصة في الوجدان الإسلامي، وأن المخطوطات التي توثقها تكتسب قيمة تاريخية وفنية فريدة تعكس براعة الخطاطين والعلماء في عصور الازدهار. وأشار الاتحاد إلى أن صمت الجهات المعنية قد يفتح الباب لمزيد من عمليات تهريب وبيع الكنوز التراثية التي تشكل عماد التاريخ الوطني.
تأتي هذه المناشدة في وقت تتزايد فيه المطالبات الشعبية والأكاديمية بتفعيل قوانين حماية الآثار والمخطوطات، وتكثيف الرقابة على المزادات الدولية التي تستهدف القطع الشرقية. وينتظر الوسط الأثري رداً رسمياً من وزارة السياحة والآثار لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لضمان عودة هذا الكنز الأدبي والتاريخي إلى موطنه الأصلي.
أعلام التصوف
ويعتبر الإمام شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري أحد أبرز أعلام التصوف والأدب في القرن السابع الهجري. ولد في مصر بقرية أبوصير التابعة لمحافظة بني سويف، وتتلمذ على يد كبار علماء عصره، ومنهم الشيخ المرسي أبو العباس. جمع البوصيري في مسيرته بين العلم الشرعي والبراعة اللغوية، مما منحه قدرة فائقة على صياغة المعاني الروحية في قوالب شعرية رصينة اتسمت بالصدق والعاطفة الجياشة.
تعتبر قصيدة البردة، والمعروفة تاريخيا بـ «الكواكب الدرية في مدح خير البرية»، أشهر ما مؤلفات البوصيري، وتصنف كأعظم قصائد المديح النبوي في تاريخ الأدب العربي. نظمها الإمام في ظروف إنسانية صعبة حين أصيب بمرض الشلل النصفي، فنظم القصيدة متوسلاً بها إلى الله، ورأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على وجهه ويلقي عليه بردته، فاستيقظ معافى من مرضه، ومن هنا اكتسبت القصيدة اسمها وشهرتها الواسعة.
تتألف البردة من 160 بيتاً، وتتميز ببنائها الفني المحكم الذي ينتقل فيه البوصيري بسلاسة بين الغزل الروحاني، والشكوى من النفس، ثم السيرة النبوية ومعجزات النبي، وصولاً إلى التوسل والمناجاة. وقد أصبحت أبياتها، مثل «مولاي صل وسلم دائماً أبداً»، جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية، حيث تُردد في المحافل الدينية والمناسبات الاجتماعية في شتى بقاع الأرض، لما تحمله من جزالة في اللفظ وعمق في المعنى.
تركت البردة أثراً لا يمحى في الأدب العالمي، حيث تم ترجمتها إلى لغات عديدة وعارضها كبار الشعراء عبر العصور، وعلى رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي في "نهج البردة". ولم تكن القصيدة مجرد عمل أدبي، بل تحولت إلى مدرسة فنية ألهمت الخطاطين والمزخرفين الذين تسابقوا في كتابتها وتزيينها، مما يجعل من أي مخطوطة قديمة لها كنزاً أثرياً وقومياً يوثق مرحلة هامة من تجليات الحضارة الإسلامية.








