و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

أعلنت هيئات الأرصاد السياسية بـالشرق الأوسط ومحيطه، عن دخول المنطقة فيما يعرف بليالي ترامب السوداء والتي تتميز بالحروب والإبادة، في محاولة لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط وإخضاعه للهيمنة الصهيوأمريكية، فما حدث في فنزويلا، والتحرش بإيران، والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال "صومالي لاند"، والدعم العسكري لـ"الجنجويد" (أي الدعم السريع) لتقسيم السودان، ومساعي انفصال جنوب اليمن عن شماله، وتحويل سوريا لساحة حرب بين تنظيمات إرهابية وميليشيات مسلحة، كما هو حال ليبيا، وارتفاع درجة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
كلها إشارات لارتفاع مفاجئ ومرتب للتوترات السياسية القارسة، التي تستلزم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، في أجواء ليالي ترامب السوداء المغيمة على الشرق الأوسط ومحيطه.
قطاع غزة هو القلب النابض لتلك الليالي السوداء المكفهرة، فهو يتعرض لإبادة لم تتوقف منذ أكتوبر 2023، وحتى والقطاع في كنف وقف إطلاق النار، وفقا لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي، الذي أوضح أن الاحتلال منذ العاشر من أكتوبر 2025، وحتى الثلاثاء 20 يناير 2026، ارتكب 1300 خرق، خلفت 483 شهيدا، و1287 مصابا، و50 معتقلا. وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي بقطاع غزة، أن الاحتلال أرتكب على مدى 100 يوم 430 جريمة إطلاق نار مباشرة ضد المدنيين.. و66 توغل للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية و604 جريمة قصف، و200 عملية نسف للمنازل والمباني.
هندسة الجوع والتعطيش
الاحتلال لم يحترم، ولم يلتزم بالاتفاق ويعرقل إدخال المساعدات للقطاع، ويرفض إدخال الأغذية المعلبة، والأدوات الجراحية، والخيام ومعدات الإغاثة بدعوى أنها تضر بالأمن الإسرائيلي، وأكد المكتب الإعلامي الحكومي أن الاحتلال لم يدخل إلى القطاع خلال المرحلة الأولى من الاتفاق سوى 24,611 شاحنة من أصل 57,000 شاحنة يفترض إدخالها، بمتوسط يومي 259 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة مقررة يومياً، أي بنسبة التزام 43%، مما أدى إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعميق الأزمة الإنسانية الكارثية في قطاع غزة حتى المواد الغذائية التي يسمح الاحتلال بإدخالها - والكلام لبيان المكتب الحكومي - فإن أغلبها مواد غذائية ذات قيمة غذائية مُتدنّية، ويمنع الاحتلال إدخال المواد الغذائية الغنية والمهمة، ما يؤكد أن الاحتلال يتعمّد سياسة هندسة التجويع والتعطيش الممنهجة.
وفي ذلك السياق وتأكيداً للمكتب الإعلامي الحكومي الفلسطيني، قال محافظ شمال سيناء خالد مجاور "إن إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة يواجه مزيدًا من العراقيل" وذلك خلال مرافقته لوزيرة الخارجية والتجارة والدفاع الإيرلندية هيلين مكانتي، التي زارت معبر رفح والأماكن اللوجستية بالعريش لاستقبال وتجهيز المساعدات التي تصر إسرائيل على إدخالها عبر معبري العوجة وكرم أبو سالم، حيث أكد مجاور سعي بلاده إلى توفير أماكن آمنة، وبيوت متنقلة، وخيام للمتضررين، وتهيئة البيئة المناسبة لسكان غزة في ظل الظروف الجوية القاسية.
علماً بأن الهلال الأحمر المصري، ووفقا لبيان له، يوم 17 يناير 2026، فإنه منذ بداية الأزمة في أكتوبر 2023، تمكن من إدخال أكثر من 800 ألف طن من المساعدات الإنسانية والإغاثية، ومنذ 27 يوليو 2025، وحتى 21 يناير 2026، دفع الهلال الأحمر المصري بـ 119 قافلة تحمل مساعدات متنوعة، حمولة القافلة الواحدة لا تقل عن 5 آلاف طن، بإجمالي 600 ألف طن، لكن معظم هذه المساعدات تعيدها سلطات الاحتلال بمعبري كرم أبو سالم والعوجة. 
محافظ شمال سيناء والقائمين على الهلال الأحمر المصري أكدوا قدرة مصر على إرسال المزيد من المساعدات للقطاع لكن العراقيل الإسرائيلية تحول دون ذلك، وهو ما أكده متحدث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" ينس ليركه، يوم الجمعة 16 يناير 2026، بقوله "نحن في حاجة ماسة لإدخال المواد الحيوية إلى قطاع غزة دون أي قيود، لكن العراقيل الإسرائيلية ما زالت قائمة.
رغم بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وتحول دون إدخال مزيد من المساعدات الإنسانية، وإزالتها أمر بالغ الأهمية، نحن بحاجة إلى إدخال المواد الحيوية إلى غزة دون قيود.. لافتاً إلى الحاجة لإدخال المواد والأدوات اللازمة لتعزيز الملاجئ وإصلاح المنازل، ومعدات إزالة الأنقاض وتفتيت الركام، ومضخات مياه لتصريف مياه الأمطار ومنع الفيضانات.
بات الواضح أمام العالم أنه رغم تراجع حدة حرب الإبادة بشكلها الواسع فإن الأوضاع المعيشية لم تشهد تحسنا كبيرا، لتنصل الاحتلال من الإيفاء بالتزاماته التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار، بما فيها إدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية والإغاثية والطبية، والبيوت المتنقلة، وفتح المعابر. 
الاحتلال يراوغ في تنفيذ بنود خطة ترامب للسلام في غزة، والتي لم ينفذ منها شيئاً، لاستمراره في قتل الشعب الفلسطيني وإبادة الحياة، وعاونه في ذلك الطبيعة القاسية، والتي أدت لتدمير 127 ألف خيمة مهترئة أصلاً، وانهيار أكثر من 50 منزلاً ومبنى متضررة ومقصوفة سابقاً، لجأ إليها الفلسطينيين لفقدان منازلهم بفضل القصف الإسرائيلي، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات المواطنين نتيجة المنخفضات الجوية وانهيار البنايات السكنية فوق رؤوسهم.
وأصبح ما يزيد عن مليون ونصف المليون نازح يفتقرون للحد الأدنى من الحماية وأن وقف إطلاق النار أتاح نافذة ضيقة لإدخال المساعدات، وأن القوافل تواجه تحديات كبيرة في إيصالها لداخل القطاع، كما ذكرت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عبير عطيفة في مؤتمر صحفي بجنيف.


التهجير على طاولة التنفيذ


الاحتلال فرض معادلة إنسانية تقوم على الاخضاع والتجويع والابتزاز، وزهق الأرواح، للالتفاف على تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وهي فكرة لم تموت كما قال السفير الأميركي لدى الاحتلال "مايك هاكابي": "إن خطة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ما زالت مطروحة، وأنه إذا أراد الناس مغادرة غزة، سيمنحون فرصة بالمغادرة" السفير هاكابي قال أيضاً "إن الاحتلال لن يفتح معبر رفح في الوقت الراهن ولا علم له بضغط أميركي على إسرائيل من أجل فتح المعبر. لأن واشنطن تنظر إلى نزع سلاح حماس كونه أولوية عليا".
وفي ذلك السياق نذكر أن رئيس وزراء الاحتلال قال أو أعرب عن استعداده لفتح معبر رفح من اتجاه واحد، وهو ما رفضته مصر، التي تصر على فتح المعبر من الاتجاهين، للدخول والخروج من القطاع وأن تكون إدارة المعبر من الجانب الفلسطيني تحت إشراف لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي ستتولى إدارة القطاع. طبقًا لما ورد بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وما يؤكد أن فكرة التهجير قائمة ولم تبرح الطاولة الإسرائيلية الأمريكية، ما أعلنه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في تصريحات إعلامية بأن الاعتراف الإسرائيلي بدولة أرض الصومال جاء وفقا لثلاثة شروط هي "توطين الفلسطينيين، وتأسيس قاعدة عسكرية إسرائيلية على ساحل خليج عدن، وانضمام أرض الصومال للاتفاقيات الإبراهيمية". وحذر شيخ محمود من محاولات تهدف إلى نقل الفلسطينيين قسراً إلى بلاده، مؤكداً أن الصومال لن يستضيفهم، لافتاً إلى أن موقف بلاده ثابت في دعم حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.
وذلك يتفق مع ما قاله السفير الأمريكي بالأراضي المحتلة "إذا أراد الناس مغادرة غزة، سيمنحون فرصة بالمغادرة وهذا سيكون متعلقا بالدول التي قررت أنها مستعدة لاستقبالهم". وعن إقامة دولة فلسطينية، قال "عندما يقولون إنه ستكون دولة فلسطينية، فإنني أقول إن هذه نظرة طموحة.. وأطلب أن يطلعوني أين ستكون الحدود على الخريطة، ومن يسيطر على الحدود ومن يدافع عن الإسرائيليين.. وإلى حين يجيبون على هذه الأسئلة، لا أعلم إذا كان هناك بحث بالإمكان إجرائه حول هذا الموضوع"(؟!)


لعب الكبار وضربة المعلم

 
مصر تدرك الألاعيب الإسرائيلية الأمريكية، لذلك فهي تتعامل بعبقرية وبرود أعصاب استراتيجي، مستخدمة قدرتها على غزل خيوط شديدة التعقيد، حيث تجمع بين دور الجار الشقيق، والوسيط النزيه، والحارس للأمن القومي، وهي الطرف الوحيد الذي يمتلك قنوات اتصال مفتوحة ومباشرة مع كافة الأطراف في آن واحد، مما جعل القفز فوق دورها أمراً مستحيلا، فهي لا تقوم بنقل الرسائل بل تصنع مبادرات تراعي الهواجس والألاعيب الأمريكية الإسرائيلية ومطالب الفلسطينيين لإدراكها أن الحلول الجذرية متعثرة حالياً، لذا تتبع مصر سياسة "تسكين الأزمات" ومدرسة النفس الطويل لمنع الانفجار الشامل بالمنطقة.
وتدرك مصر المخطط الإسرائيلي الترامبي، الهادف لتقسيم القطاع وتهجير أهاله، لإقامة ريفييرا الشرق الأوسط والسيطرة على الساحل الغزاوي النائم على ما يقدر بتريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، لذلك منحت خطة ترامب للسلام في غزة غرب القطاع حيث ساحل البحر المتوسط للاحتلال من خلال ما عرف بخريطة الألوان، كما قام الاحتلال بإنشاء 3 محاور هي: "نتساريم" الذي أنشأ خلال الشهرين الأولين من بداية حرب الإبادة، لفصل مدينة غزة وشمالها عن المنطقة الوسطى وجنوب القطاع، و"موراج" لفصل محافظة رفح عن باقي محافظات القطاع، و"ماجين عوز" وهو يفصل بين شرق وغرب خانيونس.
وأعادت احتلال محور "صلاح الدين" (فيلادلفيا) على الحدود المصرية الفلسطينية ويوجد به معبري رفح وكرم أبو سالم، وهو استراتيجي بالنسبة للقطاع كونه يفصله عن العالم الخارجي، لتقسيم القطاع إلى كانتونات أو مناطق معزولة يسهل التحكم فيها. وقد تأكد ذلك من خلال عرض صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر خطته لإعادة إعمار قطاع غزة تحت عنوان "غزة الجديدة" والتي تضمنت ناطحات سحاب وطرق وحفارات التنقيب عن الغاز والبترول، وذلك خلال الإعلان عن ميثاق مجلس السلام وتوقيع الدول المشاركة به على ميثاقه على هامش قمة دافوس، حيث قال ترامب "موقع غزة على البحر مميز، والفقراء هناك سيتحولون إلى أغنياء.
وكانت مصر قد استبقت تلك الأحداث بإعلان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، رفض القاهرة لتقسيم قطاع غزة، وقامت بعقد اجتماع للفصائل الفلسطينية، والذي غابت عنه حركة فتح، أعقبه الإعلان عن تأسيس اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، وتشكيل اللجنة من 15 فلسطيني من التكنوقراط، يتمتعون بخبرات دولية ومستقلين سياسياً، وهو ما وصف بأنه مخرج استراتيجي ذكي لمأزق من يحكم قطاع غزة.
كما حرصت مصر في هندسة اللجنة بتمثيل المحافظات الخمس، لتأكيد وحدة القطاع ووحدته، وتوفير حاضنة شعبية لتكون إدارة نابعة من داخل القطاع، وبالتالي فوتت مصر على الاحتلال فكرة تقسيم القطاع لإدارات منعزلة بتقديمها جسم فلسطيني واحد يتولى إعادة الإعمار وتشغيل المعابر، وتوفير احتياجات الشعب. كما حرصت مصر على وجود العنصر النسائي ضمن عضوية اللجنة من خلال هناء الترزي "مسؤولة ملف الشؤون الاجتماعية والمرأة" لتؤكد مصر للعالم بأن اللجنة مدنية تحترم المعايير الدولية وحقوق الإنسان. كما أن مصر أبلغت إسرائيل عبر القنوات الأمنية أن أي استهداف أو عرقلة لعمل هذه اللجنة سيُعتبر تقويضاً مباشراً للجهود المصرية واعتداءً على التوافق الدولي. 
مصر تسعى لتعطيل المشروع الأمريكي الإسرائيلي، بذكاء تحسد عليه، حتى الترحيب بانضمامها لمجلس السلام يدخل ضمن عبقرياتها لمواجهة واحتواء الأزمات التي أدارتها منذ 2023، لإدراكها أن وجودها داخل المجلس يمنحها فرصة اللعب من الداخل وتعطيل أي قرار يخص غزة، فضلا عن أنها انتزعت اعتراف أمريكي ودولي بلجنة إدارة غزة ككيان شرعي ووحيد لإدارة القطاع، وبالتالي ستستخدم مصر مجلس السلام منصة دولية لتثبيت الخطوط الحمراء " لا للتهجير، لا للتقسيم، ونعم لقيام الدولة الفلسطينية" وليس لتصفية القضية، رغم أنف صهر الرئيس الأمريكي الذي قال "إن خطته لإعادة إعمار غزة تستغرق 3 سنوات، ولا توجد خطة بديلة لذلك"(!!)

تم نسخ الرابط