في قاعات المحاكم، تُرفع قضايا الطلاق وكأنها نزاع بين طرفين فقط، بينما الحقيقة أن هناك طرفًا ثالثًا يقف في المنتصف بلا حماية حقيقية: الطفل.
طفل لا ذنب له في فشل العلاقة، لكنه يدفع الثمن نفسيًا واجتماعيًا وتربويًا، نتيجة قوانين تُطبّق بلا روح، وثقافة مجتمعية غائبة عن أبسط مبادئ المسؤولية الأبوية.
حين اختزل القانون الأب في “مموّل”
من أخطر ما أفرزته منظومة قوانين الأسرة الحالية هو تفريغ دور الأب من مضمونه التربوي.
فالأب، بعد الطلاق، لم يعد شريكًا فعليًا في التنشئة، بل تحوّل — بحكم القانون والممارسة — إلى:
• نفقة شهرية
• التزام مالي
• وجود هامشي مرتبط بمواعيد رؤية محدودة
القانون وضع حدودًا للرؤية، لا تضمن علاقة حقيقية مستمرة، بل تُنتج أبًا غريبًا عن تفاصيل حياة أولاده، وأطفالًا لا يعرفون من أبيهم سوى “زيارة” تشبه الموعد الرسمي أكثر من كونها علاقة أبوية.
هذا الإقصاء القسري لا يؤذي الأب وحده، بل يدمر البناء النفسي للطفل، الذي يحتاج إلى وجود الأب اليومي، لا صورته الموسمية.
الرؤية كسلاح… حين تنتقم المشاعر من الطفولة
في واقع مؤلم، تحوّلت رؤية الأطفال في كثير من الحالات إلى أداة ضغط وانتقام.
غضب الزوجة من الزوج، وخذلانها أو جرحها، يدفعها أحيانًا — دون وعي — لاستخدام الأطفال كورقة تفاوض، رغم أن ذلك:
• يخالف أبسط مبادئ الصحة النفسية
• يتعارض مع مصلحة الطفل الفضلى
• يُحرّمه الشرع قبل أن يرفضه العقل
الطفل هنا لا يُحرَم من الأب فقط، بل يُزرَع داخله صراع داخلي، وخوف من الفقد، وشعور بعدم الأمان العاطفي.
والأب… حين يتحول المال إلى وسيلة عقاب
في الجهة المقابلة، لا يقل الخطأ فداحة.
فبعض الأزواج يتعاملون مع النفقة كوسيلة ضغط أو عقاب، ناسِين أن:
• النفقة ليست منّة
• والطفل ليس طرفًا في الصراع
• والمال لا يعوّض غياب الأب ولا دفء العلاقة
الضغط المادي، والمماطلة، والتهرب، كلها تصرفات لا تُعاقب الزوجة فقط، بل تترك أثرًا نفسيًا مباشرًا على الأطفال، يشعرون معه بعدم الاستحقاق والحرمان وعدم الأمان.
غياب الثقافة… أصل الكارثة
المجتمع المصري — بصراحة مؤلمة — لا يمتلك حتى الآن ثقافة:
“نحن اختلفنا… لكن أطفالنا خارج المعركة.”
لا الزوجة تفصل بين غضبها ودور الأب في حياة أولادها،
ولا الزوج يفصل بين خلافه مع الأم ومسؤوليته الكاملة عن أبنائه.
والنتيجة:
طفل ممزق بين طرفين، كلٌّ منهما يرى ألمه أولًا، وينسى أن:
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”
الشرع حاضر… لكن غائب التطبيق
الشرع الإسلامي لم يضع الطلاق كحرب، بل كحل أخير منظم:
• يضمن حق الطفل في الرعاية
• وحق الأب في التربية
• وحق الأم في الاحتواء
لكن ما يحدث هو انتقاء انتقامي للنصوص، وتجاهل للجوهر:
الرحمة، والعدل، والمسؤولية المشتركة.
النتيجة النهائية: جيل مريض نفسيًا
حين يُقصى الأب، وتُستنزف الأم، ويُستخدم الطفل كسلاح:
• نُخرِج جيلًا قلقًا
• مشوّه الصورة عن الأسرة
• فاقد الثقة في العلاقات
• غير قادر على تكوين بيت مستقر مستقبلًا
وهنا لا نكون أمام مشكلة أسرية، بل أزمة مجتمع كاملة.
قبل فوات الأوان
1. إعادة النظر في قوانين الرؤية بما يضمن علاقة حقيقية لا شكلية.
2. إلزام الطرفين ببرامج تأهيل نفسي وأسري بعد الطلاق.
3. تجريم استخدام الأطفال كوسيلة ضغط نفسي أو قانوني.
4. تفعيل دور الأب تربويًا لا ماليًا فقط.
5. خطاب ديني وإعلامي مسؤول يضع مصلحة الطفل فوق تصفية الحسابات.
واخيرآ الطلاق قد يكون قدرًا، لكن تشويه نفسية الأطفال جريمة.
وإذا استمررنا في إدارة الخلافات بمنطق الغضب لا المسؤولية، فلن نُحاسَب فقط أمام القانون، بل أمام الله… وأمام جيل كامل ندفعه نحو المرض بدل الأمان.
الطفل لا يحتاج والدين متخاصمين
بل والدين راشدين، حتى بعد الانفصال.








