لنكن صرحاء..
ليس الغلاء وحده ما يُرهق المواطن، فالأزمات الاقتصادية عرفتها الدول وتجاوزتها.
الخطر الحقيقي يبدأ حين يختلّ ميزان الأدوار، وحين يتحول من وُجدوا للحماية إلى عبء، ومن أُنشئت المؤسسات لضبطهم إلى متفرجٍ صامت.
نحن لا نعيش أزمة أسعار فقط، بل نعيش أزمة وظيفة عامة.
أزمة في فهم من يشرّع، ومن يراقب، ومن يُقدّم الخدمة، وأين تبدأ الحدود وأين يجب أن تنتهي.
لسنا في حاجة اليوم إلى مزيد من القوانين المتراكمة، بقدر حاجتنا إلى تشريعٍ منضبط الاتجاه.
تشريع يعيد تعريف الدور النيابي تعريفًا حاسمًا..
-النائب مشرّع ورقيب، لا بديل عن الجهاز التنفيذي، ولا وسيط خدمات، ولا قناة استثناء.
-التشريع الحقيقي لا يُقاس بعدد مواده، بل بقدرته على حماية الدولة من اختلالها الذاتي.
وحين يغيب هذا الضبط، تتحول النية الحسنة إلى ممارسة مُربِكة، ويتحول الاجتهاد الفردي إلى عبء عام.
أما الرقابة، فقد أُنهكت بكثرة الاستخدام الخاطئ.
الرقابة ليست صخبًا، ولا معركة مستمرة، ولا حضورًا إعلاميًا.
الرقابة مسؤولية ثقيلة، تُمارَس بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة، هدفها التقويم لا الإرباك، والإصلاح لا الاستعراض.
والأخطر من ضعف الرقابة، أن تصبح انتقائية، وكأن من يراقب خارج دائرة المساءلة.
وفي قلب هذا الخلل، تقف قضية الخدمات.
الخدمة حق أصيل للمواطن، لكنها ليست ولن تكون وظيفة النائب.
مكانها الطبيعي هو الجهاز التنفيذي، حيث التخطيط، والمعايير، والعدالة في التوزيع.
وحين تُدار الخدمات بمنطق الوساطة لا السياسة العامة، تتحول الدولة إلى مجموعة استثناءات، ويُكسر مبدأ تكافؤ الفرص، وتُربك الخطط الوطنية.
-النائب الذي يزاحم الجهاز التنفيذي في اختصاصه مهما كانت نواياه، يفتح بابًا لا يُغلق..
-باب تعطيل الخطة.
باب كسر العدالة
-باب إضعاف هيبة المؤسسات.
المشكلة هنا ليست في أشخاص، بل في مسار.
والدولة لا تُدار بالنوايا، بل بالأنظمة.
ولا تُبنى بالخدمات الفردية، بل بالسياسات العامة.
الدولة القوية لا تحتاج نواب خدمات، ولا تحتاج رقابة صاخبة،
ولا تحتاج تشريعات متعجلة.
هي تحتاج وضوحًا في الوظائف، وانضباطًا في الممارسة، وشجاعة في التصحيح قبل أن يتحول الخلل إلى أمرٍ معتاد، وقبل أن يصبح العبء السياسي أثقل على المواطن من العبء الاقتصادي نفسه.
حماية المواطن اليوم لا تبدأ من سعر سلعة،
بل من صيانة النظام العام للعمل النيابي.
وحين يعود كل طرف إلى دوره الصحيح، يستعيد المواطن ثقته، وتستعيد الدولة توازنها، ويعود التمثيل النيابي إلى معناه الحقيقي...
تمثيلٌ يحمي… لا يُرهق.








