الأفراح عمت الأقاليم
«زفة» سعد زغلول إلى مجلس النواب أبرز مشاهد احتفال المصريين بأول برلمان
قبل قرن من الزمان وتحديدا قبل 102 عام، احتفل المصريون بافتتاح أول برلمان منتخب بغرفتين مجلس النواب ومجلس الشيوخ. جاء البرلمان بعد ثورة 1919 وصدور دستور 1923، وهو الحدث الذي اعتبره الشعب تتويجاً للنضال المستمر ضد الاحتلال البريطاني.
تحولت شوارع القاهرة وبعض الأقاليم في الخامس عشر من مارس 1924 إلى ساحة احتفال كبرى لم تشهدها البلاد من قبل، تزامناً مع الافتتاح الرسمي لأول برلمان مصري منتخب بنظام الأغلبية.
وفى مشهد تاريخي خرج سعد زغلول زعيم الأمة فى موكب، أطلق عليه المصريون «زفة الزعيم» وهو الموكب الذى امتد من بيته إلى شارع دار النيابة حيث يقع مبني البرلمان. وشاركت النساء بفاعلية في الأجواء الاحتفالية، بإطلاق الزغاريد وتوزيع الحلوي على المارة والمشاركين فى الزفة.
وغطت الزينات والأعلام المصرية واجهات المنازل والمحلات، وامتدت الاحتفالات من القاهرة إلى كافة الأقاليم، خاصة في الريف الذي خرج منه سعد زغلول كأول رئيس وزراء من أصول ريفية.

وتداخلت فرحة افتتاح أول برلمان فى مصر مع ذكرى عودة الزعماء الوطنيين من المنفى، مما جعل اليوم عيداً للاستقلال والحرية.
اصطف آلاف المصريين على طول الطريق المؤدي إلى مبنى البرلمان، وعلت الهتافات المدوية لـ سعد زغلول باشا، زعيم حزب الوفد الذي حقق فوزاً ساحقاً بنسبة تقارب 90% من المقاعد. لم تكن الفرحة مجرد فوز سياسي، بل كانت تعبيراً عن ولادة النظام الدستوري الديمقراطي الأول في تاريخ مصر الحديث.
افتتح الملك فؤاد الأول الجلسة بحضور الوزراء والأعيان، وألقى سعد زغلول خطاب العرش نيابة عنه، وكان عدد أعضاء مجلس النواب حينها 264 عضوا منتخبين، أما مجلس الشيوخ فعدد أعضائه 147 عضوا منهم 28 عضوا بالتعيين.
وعلى المستوي الرسمي، وبحسب ما نشر فى «مجلة الاثنين والدنيا» التى كانت تصدر عن مؤسسة دار الهلال؛ تقرر أن يعقد البرلمان جلسته الافتتاحية فى الساعة العاشرة من صباح السبت 15 مارس 1924، واصطف جنود الحرس الملكي على جانبي الطريق الذي سيمر فيها الموكب الملكي ومعها موسيقاها وأعلامها من سراي عابدين إلى شارع البستان ثم ميدان الأزهار ثم ميدان الإسماعيلية ومنه إلى شارع قصر العيني ثم شارع دار النيابة الذى يضم مبني مجلس النواب والشيوخ .
أكبر وأصغر الأعضاء
وتضيف المجلة: أخذ جميع الشيوخ والنواب يتوافدون على قاعة مجلس النواب واتخذوا أماكنهم برئاسة أكبر الشيوخ سنا النائب «المصري باشا السعدي»، ثم جاء الأمراء أعضاء الأسرة المالكة وحضرات أصحاب الدولة والمعالى الوزراء ينتظرون تشريف الملك وازدحمت شرفات الزوار بالمصريين والأجانب ازدحاما شديدا وكانوا جميعا بالملابس الرسمية والأوسمة وكان كبار المدعوين من الضباط في ملابس التشريفة.
وبعد اكتمال عقد أعضاء مجلس النواب والشيوخ قابل رئيس المؤتمر أعضاء الوفد البرلماني الذى سيشرف باستقبال الملك وأبلغهم المهمة الموكلة إليهم وكان هذا الوفد مؤلفا من رئيس المؤتمر باعتباره أكبر الشيوخ سنا، وكل من «على عبد الرازق بك، وفهمى ويصا بك»، باعتبارهما أصغر الشيوخ سنا ومن «محمد سعيد بك» أكبر النواب سنا و«حسن يس وعبد المجيد نافع» أصغر نائبين سنا.
وتتابع المجلة وصفها لافتتاح أول برلمان مصري قائلة: فى الساعة التاسعة والدقيقة الأربعين صباحا، وصل الملك فؤاد وكان جلالته مرتديا ملابس التشريفة الكبرى وراكبا عربة البلاط الرسمية الكبرى وفى معيته سعد زغلول باشا رئيس الوزراء، ومر الموكب فى الشوارع التى تقدم ذكرها بين هتاف الهاتفين وتصفيق المصفقين الذين واصلوا هتافهم «يعيش الملك ويحيى سعد».

وكان الجنود يؤدون للملك التحية العسكرية على طول الطريق والموسيقات العسكرية تصدح بالنشيد الملكي والجماهير الغفيرة من الطلبة والموظفين وسائر التجار وطبقات العمال والصناع تهتف هتاف الولاء والدعاء.
وعندما وصل الملك فؤاد إلى مقر البرلمان كان فى استقباله عند أسفل السلم الأمراء والنبلاء ورئيس الوزراء والوزراء والوفد البرلمانى، وبعد الاستقبال أسرع أعضاء الوفد البرلماني إلى مقاعدهم في قاعة الاجتماع وصعد الملك يتبعه الأمراء والوزراء حيث وقف أصحاب السمو فى القاعة إلى يمين جلالته ووقف الوزراء وكبار موظفى البلاط إلى يسار جلالته.
وظل الجميع وقوفا حتى أقسم اليمين المنصوص عليها فى الدستور، ثم جلس فتقدم منه دولة رئيس الوزراء واستأذنه فى السماح لأعضاء البرلمان بالجلوس.









