صحابة على عرش مصر
قيس بن سعد.. العبقرية السياسية التي حافظت على مصر في زمن الفتنة
بعد مقتل عثمان بن عفان، وفي وقت عصيب انقسمت فيه الأمة سادت الفوضي فى البلاد، وقع اختيار الخليفة علي بن أبي طالب رضى الله عنه، على رجل استثنائي ليتولى أمن مصر واستقرارها، لم يكن هذا الرجل سوى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ابن سيد الخزرج وصاحب لواء النبي صلي الله عليه وسلم في الغزوات.
وصل قيس بن سعد بن عبادة إلى مصر في عام 36 هجرية، والبلاد تموج بالاضطرابات عقب مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه. وبذكائه الفطري والسياسي، لم يلجأ قيس إلى القوة المفرطة، بل اعتمد سياسة الدبلوماسية والاحتواء . كانت هناك فئة في مصر «أهل خربتا» اعتزلت الفتنة ولم تبايع علي بن أبى طالب، فما كان من قيس إلا أن وادعهم، وأجرى عليهم أرزاقهم، وكف عنهم الأذى، مما جعل مصر في عهده واحة من الهدوء النسبي وسط محيط من الصراعات والفتن السياسية.
عرف قيس بن سعد بن عبادة بلقب «داهية العرب» لشدة ذكائه السياسي وهي الصفة التى نافس فيها عمرو بن العاص، وكان يقول مقولته الشهيرة: لولا أن المكر فجور، لمكرت مكراً يضطرب منه أهل الشام بينهم. لكنه آثر الالتزام بمبادئ دينه، مفضلاً الصدق والوضوح على اللجوء إلى المؤامرات السياسية، وهو ما أثار حفيظة معاوية بن أبي سفيان الذي حاول استمالته بشتى الطرق دون جدوى.
مكيدة سياسية
ويروى الجراح بن مليح البهراني، عن أبي رافع، عن قيس بن سعد، قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المكر والخديعة في النار لكنت من أمكر هذه الأمة
لم يكن قيس حاكماً حازماً فحسب، بل كان كريماً بالفطرة، حجيث تروي المصادر التاريخية أنه مرض مرة فاستبطأ زواره، فقيل له: إنهم يستحيون من أجل ديونك عليهم، فنادى فى الناس: من كان لقيس عليه دَيْن فهو له، فما جاء المساء حتى كسرت عتبة داره من كثرة الزوار.
انتهت ولاية قيس بن سعد بن عبادة فى حكم مصر في عام 37 هجرية بعد مكيدة سياسية أوهمت الخليفة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - بأن قيساً عقد اتفاقا مع خصومه من اتباع معاوية بن أبى سفيان، فتم عزله وتولية محمد بن أبي بكر الصديق على مصر. وغادر قيس بن سعد بن عبادة مصر دون ضجيج رغم أنه كان يمتلك كل الأدوات لبث الفوضى فى البلاد، وظل وفياً لعهده مع على بن أبى طالب حتى اعتزل السياسة في أواخر عمره وتوفي في المدينة المنورة عام 60 هجرية.
ويبقى قيس بن سعد في التاريخ الإسلامي والذاكرة المصرية كنموذج للحاكم الذي جمع بين هيبة القيادة، وذكاء الدبلوماسية، ونبل الأخلاق، الحاكم الذى فضل المبادئ على الدهاء والمكر السياسي.








