و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

أرى حالة من التهليل الإعلامي والسياسي لموقف عدد من الدول العربية، عذراً الأوروبية التي قررت الاعتراف بالدولة الفلسطينية في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر 2025، والفرحة العارمة بتصريحات رؤوسا دول وحكومات تلك الدول المنددة والصارخة في وجه الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني بقطاع غزة والضفة الغربية. 
جميلة هي التصريحات وقرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكن السؤال كيف ستنفذ (؟!) وما هي آلية التنفيذ (؟) والسؤال الأهم ما هي القرارات التنفيذية التي اتخذتها تلك الدول ضد الكيان الصهيوني، الذي زرعوه بالمنطقة (؟) 
لن نعاتبهم على موقفهم المؤيد والمساند عسكرياً ومخابراتي وسياسي بالمحافل الدولية بإعاقة صدور أي قرار من مجلس الأمن ضد إسرائيل، وعرقلة وتعطيل حكم محكمة العدل الدولية، وكذلك الترويج للكذبة الإسرائيلية، ولولا إعلام المقاومة، وكذلك النشطاء والأطباء والمتطوعين والعاملين بالمنظمات الدولية ما عرف الشعب الأوروبي حقيقة ما يحدث، وحجم مشاركة بلدانهم في حرب الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري للشعب الفلسطيني بقطاع غزة لإقامة حلم ترامب "ريفييرا الشرق الأوسط" وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى والذي قال عنه منذ عقود طويلة الراحل العقيد معمر القذافي "إن البداية ستكون من غزة" لكن الحكام العرب ضحكوا (!!) ويوم الجمعة /29 أغسطس 2025/ أعلن من واشنطن أن الإدارة الأمريكية لن تمنح رئيس السلطة الفلسطينية و80 دبلوماسي فلسطيني تأشيرة الدخول للولايات المتحدة الأمريكية لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ونقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مصادر لم يسمها، أن وزير خارجية إسرائيل شجع نظيره الأمريكي على منع تأشيرات الوفد الفلسطيني بالجمعية العامة، فماذا ستفعل دول أوروبا (؟) إنا لمنتظرون.
** تهميش أوروبا وراء دعم غزة 
معظم أو غالبية الحكومات الأوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، الذين يقودون أوروبا حالياً، طامعين في إعادة المجد الأوروبي، تحركوا بالتصريحات والإعلان عن قرارات لم تنفذ، وننتظرهم في الأمم المتحدة، أولاً: لإرضاء شعوبهم والتخفيف من حدة المواجهة مع المواطنين العاديين، خاصة مع تصاعد الاعتراض بالشارع الأوروبي بشأن الدعم المالي لأوكرانيا في حربها مع روسيا منذ فبراير / شباط 2022، مما كلف خزانة أوروبا أرقاماً قياسية من الخسائر، والتي قدرت حتى أوائل 2024 لأكثر من 85 مليار يورو ، مساعدات عسكرية وإنسانية ومالية (قروض ميسرة ومنح لدفع رواتب الموظفين والحفاظ على الخدمات الأساسية) ذلك بخلاف تكاليف استضافة أكثر من 4 ملايين لاجئ أوكراني تصل لعشرات المليارات.. كما تأثر المواطن الأوروبي بالعقوبات التي فرضتها حكوماتهم على روسيا، التي كانت تعتمد عليها اعتمادا استراتيجيا خاصة في الطاقة، فأدى ذلك لارتفاع أسعار فواتير الكهرباء والغاز للصناعة والأسر، وارتفعت تكاليف المعيشة لاستيراد السلع ومستلزمات الحياة بتكلفة عالية، فضلاً وصول التضخم لأكثر من 100%، كذلك تعرضت أوروبا لركود اقتصادي مما دفع البنوك لرفع سعر الفائدة لمواجهة التضخم، كما أن هذه الدول تعرضت لاستنزاف عسكري ونقصت مخزوناتها العسكرية مما دفعها لشراء الذخيرة والأسلحة لمواصلة أوكرانيا حربها ضد روسيا.
الأمر الثاني: أن الولايات المتحدة استفادت اقتصادياً بزيادة صادرتها من الغاز والسلع لأوروبا، وجاء ترامب ليهمشها في الأزمة الأوكرانية بالاتفاق مع نظيره الروسي على حل الأزمة بمبدأ "الأراضي الأوكرانية مقابل السلام، وعدم انضمام أوكرانيا للناتو"، ورغبة ترامب في الحصول على 50% من الثروة المعدنية الأوكرانية مقابل ما دفعته بلاده طوال سنوات لدعم أوكرانيا، وفرض على أوروبا سداد فاتورة السلاح المرسل لأوكرانيا، مما حفز الاقتصاد الأمريكي. لذلك كانت غزة والقضية الفلسطينية ورقة سياسية تلاعب بها أوروبا أمريكا.. وإن كان ترامب والنتن ياهو، غير مبالين بهما وواقع حالهم يقول "دعهم يلعبون، ويمنحونهم هامش من الديمقراطية للتعبير عن رأيهم". 
وما يؤكد أيضاً أن أوروبا تلعب لصالح لإسرائيل علينا النظر لملف سلاح حزب الله في لبنان، نجد دول الزعامة الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) تدعم الموقف الإسرائيلي الأمريكي السعودي الإماراتي، لنزع سلاح المقاومة، وهو في الحقيقة نزع ورقة التوت التي تستر عورة لبنان، ودفعت حكومة نواف بدون سلام، اعتماداً على وزراء حلف القضاء على المقاومة باتخاذ قرار تكليف الجيش اللبناني بجمع السلاح من المقاومة، وما يؤكد ذلك تصريحات الخارجية الفرنسية بأن فرنسا متمسكة جداً بدور اليونيفيل في جنوبيّ لبنان ودافعت كثيراً عن التجديد لهذا الدور والقرار1701 الذي يبقى الإطار العام لنزع سلاح حزب الله، فضلاً عن أن البعثة الفرنسية ضمن اليونيفيل، تقوم يومياً بالتنقيب عن مخازن الأسلحة والذخيرة بطول الحدود اللبنانية الفلسطينية المحتلة لتسليمها للجيش اللبناني للتخلص منها بتفجيرها، للحفاظ على أمن إسرائيل ونزع لبنان من أي قوة.
ثم الملف النووي الإيراني، وموقف الزعماء الأوروبيين المعروف بالترويكا، فقد أعلنت فرنسا وبريطانيا وألمانيا أنها أبلغت مجلس الأمن بعدم التزام إيران بالاتفاق النووي، وهو موقف قال عنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي "إن الدول الأوروبية الثلاث قررت متابعة الضغط على الشعب الإيراني نيابة عن إسرائيل والولايات المتحدة"، فيما أكد مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير أمير سعيد إيرواني، أن بلاده ملتزمة بالدبلوماسية ولن نتفاوض تحت التهديد أو الإكراه.


 تركيا تتمسح في غزة


أما تركيا، التي يقف خليفتها في باحات المساجد والميادين والقاعات المكيفة يصرخ ويتشدق بحقوق الشعب الفلسطيني، لا ننسى أن الصراع التركي الإسرائيلي على سوريا، لضمان حقوق الاحتلال بينهما، يلعب دوراً في قضية غزة، فقد قررت أنقرة في مايو 2024، تعليق العلاقات التجارية مع إسرائيل كرد فعل على حرب غزة، وفي يوليو 2025، رفضت التوقيع على خطة العمل المكوّنة من ست نقاط التي أعدّتها "مجموعة لاهاي" لفرض عقوبات على إسرائيل، واتهمت المعارضة التركية الحكومة بالاكتفاء بردود فعل خطابية تجاه إسرائيل، والامتناع عن اتخاذ خطوات ملموسة خشية إثارة غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأصدرت وزارة الخارجية التركية بيانين في 19 و20 يوليو/تموز، نفت فيهما تلك المزاعم. مؤكدة أن ما يُشاع غير دقيق، وأن تركيا اتخذت إجراءات ضد إسرائيل تتجاوز بكثير ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر الطوارئ الذي عُقد في العاصمة الكولومبية بوجوتا.. للعلم قرار التعليق جاء بعد رفض إسرائيل طلب حماس بانضمام تركيا لفريق الوسطاء المصري القطري الأمريكي، وكان الخليفة قد دعا الشهيد إسماعيل هنية لزيارة تركيا، وقطعاً تحت الضغوط طالب هنية بانضمام تركيا وروسيا والصين لفريق الوسطاء، وكانت مصر قد طرحت مبادرتها التي وافقت عليها حماس والفصائل الفلسطينية ورفضتها إسرائيل، وقتها قالت الفصائل "إنها أفضل مبادرة طرحت منذ السابع من أكتوبر 2023، فهي مبادرة وزعت النصر والهزيمة على كل الأطراف".
يوم الجمعة 29 أغسطس 2025، عاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال جلسة طارئة عقدها البرلمان التركي لمناقشة الإبادة الإسرائيلية على ضوء توسيع الهجوم على مدينة غزة وقال "قطعنا تجارتنا بالكامل مع إسرائيل، وأغلقنا موانئنا أمام السفن الإسرائيلية، ولا نسمح للسفن التركية بالتوجه إلى الموانئ الإسرائيلية".
وردت صحيفة "يسرائيل هيوم"، نقلاً عن مصادر إسرائيلية أن فيدان لم يعلن عن قرارات جديدة ضد إسرائيل، وإنما كان يتحدث أمام البرلمان عن قرارات سابقة. وأضافت أن المقصود بحظر الطيران هو منع الرحلات العسكرية.. فيما أفادت صحيفة "جيروزاليم بوست" أن هناك أنباء تفيد بأن هيئات الموانئ التركية بدأت تطلب بشكل غير رسمي من شركات الشحن تقديم خطابات للإفادة بأن سفنها ليست مرتبطة بإسرائيل ولا تحمل أي معدات عسكرية مشحونة إليها.. فيما نقلت "روسيا اليوم" عن مصدر دبلوماسي في أنقرة بأن الأجواء التركية مغلقة أمام جميع الطائرات التي تحمل أسلحة وأمام الوفود الإسرائيلية الرسمية، لكنها مفتوحة أمام الرحلات المدنية المنتظمة، وأنه لن يسمح لسفن الحاويات التي تحمل أسلحة وذخيرة إلى إسرائيل بدخول موانئ بلادنا، ولا للطائرات أن تدخل مجالنا الجوي، ووفقا للمصدر، فإن أجواء تركيا مفتوحة أمام رحلات الترانزيت التابعة لشركات الطيران الإسرائيلية.
شيء أخر، رغم إعلان تركيا قطع علاقاتها التجارية الرسمية مع إسرائيل، فإنه وفقاً لبيانات قاعدة الأمم المتحدة التجارية فإن تركيا تعتبر خامس أكبر مصدر بضائع لإسرائيل، ووفقاً لبيانات عام 2024، فالصادرات التركية لإسرائيل وصلت حوالي 2.86 مليار دولار، بينما تضاعفت واردات تركيا من إسرائيل من 1.1 مليار دولار العام 2009 إلى 2.7 مليار دولار في عام 2024، وتجدر الإشارة إلى أن حركة التجارة بين تركيا وإسرائيل وصلت عام 2024 إلى 4 مليار دولار، ويقدر حجم التبادل التجاري الكلي بين البلدين بنحو 9.5 مليار دولار سنويًا قبل التوترات.. وكانت أحزاب المعارضة التركية قد قالت "إن بيانات التجارة الخارجية لا تتفق مع القرار".
وكان النائب عن حزب السعادة التركي نجم الدين تشالشكان، في مارس الماضي، فضح نفاق أردوغان في جلسة برلمانية بقوله " الطيارين الذين يقصفون غزة وفلسطين تدربوا في قونية، ووقود الطائرات الإسرائيلية يرسل من الإسكندرونة، وطعام الجنود الإسرائيليين يرسل من ألانيا، أما مياههم فتأتي من مانافجات. ترسلون المسيرات لأوكرانيا وأذربيجان وتكتفون بالدعاء لغزة.. عار عليكم!

تم نسخ الرابط