في سابقة قضائية لم تشهدها الحياة النيابية المصرية منذ إنشائها، قضت المحكمة الإدارية العليا بإلغاء نتائج ٤٧ دائرة فردية من أصل ٧٠ دائرة في المرحلة الأولى. إن هذا الرقم — الذي يمثل أكثر من ثلثي المرحلة — ليس مجرد حكم في طعون فردية، بل هو حكم بكارثة انتخابية مكتملة الأركان تهدد البنيان الدستوري للعملية برمتها، وتطرح سؤالًا جوهريًا:
هل ما زالت الانتخابات تحتفظ بحدٍّ أدنى من المشروعية بعد هذا الانهيار؟
أولًا: الإلغاء الواسع… سقوطٌ لركن جوهري من أركان العملية الانتخابية
إلغاء هذا العدد الضخم يعني أن آلاف اللجان وملايين الأصوات قد فقدت قيمتها القانونية دفعة واحدة. وهو ما يشير إلى أن الخلل لم يكن طارئًا، بل منهجيًا ضرب جذور الإدارة الانتخابية في الصميم. فالانتخابات ليست مجموعة قرارات متفرقة، بل هي عملية واحدة متصلة، إذا سقط منها جزء جوهري، بطل كل ما بُني عليه.
القضاء لم يقل ذلك صراحة، لكنه فعله عمليًا:
أطاح بما يكفي لإسقاط المرحلة الأولى بكاملها.
ثانيًا: القائمة الوطنية… هل يمكن بقاؤها بعد سقوط الأساس الرقابي والإجرائي؟
يزعم البعض أن القائمة الوطنية «نجت» من الإلغاء، وأن حكم الإدارية العليا يقتصر على الدوائر الفردية دون المساس بالقائمة. غير أن هذا الطرح لا يستقيم قانونًا، لأن القائمة ليست كيانًا مستقلًا عن العملية الانتخابية، بل تعتمد على:
نسب المشاركة في نفس اللجان التي أُلغيت نتائجها،
وعدد الأصوات الصحيحة والباطلة،
وضوابط جوهرية تتعلق بوحدة العملية الانتخابية.
47 دائرة
فإذا كانت المرحلة الأولى قد سقطت بإلغاء ٤٧ دائرة، فإن الأساس الحسابي والرقابي الذي بُنيت عليه نتيجة القائمة قد انتهى تمامًا.
ولا يجوز — لا منطقيًا ولا قانونيًا — أن تبقى نتيجة تعتمد على عملية قضى القضاء بانعدام سلامتها.
بل إن الدستور نفسه يؤكد هذا المعنى في مادته ١٠٧ التي تنص على:
«يفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس النواب…»
ومفهوم هذه المادة أن صحة العضوية مرهونة بصحة العملية الانتخابية ذاتها. فإذا كانت اللجان التي تحتسب فيها أصوات القائمة مطعونًا في نزاهتها، ومُلغاة في أغلبها، فإن صحة عضوية القائمة تهتز جذريًا، وتصبح محل جدل موضوعي وقانوني لا يمكن تجاهله.
ثالثًا: الهيئة الوطنية للانتخابات… حيادٌ غائب وصورةٌ سقطت
لم يكن الإلغاء وحده هو الذي ضرب الثقة العامة، بل إن تصرفات الهيئة الوطنية للانتخابات في الأيام السابقة رسّخت انطباعًا خطيرًا بأنها ليست جهة محايدة كما يفرض القانون، بل تحولت — للأسف — إلى طرف في الخصومة، يكابر، ويخفي، ويؤخر، ويدافع وكأنه معنيٌّ بنتيجة بعينها.
رفض تسليم محاضر الفرز للمحكمة، والمماطلة غير المبررة، كلها أفعال تفقد الهيئة شكلها وهيبتها ووقارها، وتُظهرها كأنها تدافع عن خطأ فادح أو — والعياذ بالله — عن تزوير لا تريد أن يخرج للعلن.
وهذا أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي جهة انتخابية، لأن حيادها ليس خيارًا، بل هو مناط وجودها.
إن الهيئة التي يفترض أن تكون الحكم والضامن،
ظهرت وكأنها طرف منحاز،
وذلك كافٍ وحده لإسقاط الثقة العامة،
وقد يفتح الباب لإعادة تقييم كامل للمرحلة الانتخابية.
خاتمة: هل ما زال يمكن إصلاح ما فسد؟
إلغاء ٤٧ دائرة ليس حكمًا عابرًا، بل إعلانًا بأن العملية الانتخابية خرجت عن مسارها.
ومصير القائمة الوطنية لم يعد بمنأى عن هذا السقوط، لأن أي بناء يستند إلى أساس مهتز لا يمكن أن يصمد أمام رقابة القضاء ولا أمام رقابة الرأي العام.
ويبقى السؤال الذي سيطارد المشهد كله:
كيف يستقيم مجلس نيابي تُبنى نصف شرعيته على نتائج قُضي ببطلانها؟
إن احترام الدستور وصون ثقة الناس يقتضيان إعادة تقييم كامل للانتخابات، وإعادة تأسيس العملية من جديد على قواعد شفافة ومحايدة، بعيدًا عن المكابرة التي أدت إلى سقوط الهيبة، وضياع الثقة، وتصدّع المشروعية.




