قصة متداولة هنا، وفيديو هناك، وصانع محتوى يبحث عن المشاهدة، وناس تتجمع حول فضيحة أو خناقة أو حادثة مؤلمة، مش عشان تفهم، لكن عشان تشوف وتعلّق وتحكم. وخلال الأيام الأخيرة، تحولت تفاصيل شخصية من حياة بعض صناع المحتوى إلى مادة يتابعها الناس ويحللونها ويناقشونها، في مشهد يعكس إلى أي مدى اختلطت حياتنا الخاصة بالمحتوى العام. والمشهد مش جديد، لكن اللي اتغير فعلًا إن حياتنا الخاصة بقت، بمجرد ما تظهر على الشاشة، مادة متاحة للفرجة. شيئًا فشيئًا، السوشيال ميديا تحولت إلى مسرح كبير، وإحنا مش بس بنتفرج، إحنا بقينا جزءًا من العرض؛ بنشارك ونعلّق ونحكم ونصور وننشر ونجري وراء الترند، وأحيانًا ننسى إن وراء كل فيديو إنسانًا حقيقيًا، ووراء كل صورة حياة كاملة إحنا ما نعرفش عنها غير ثواني معدودة.
والأغرب إننا بدأنا نتصرف في حياتنا الحقيقية كأننا عايشين قدام كاميرا. نخرج فنفكر في الصورة، نسافر فنفكر في الـStory، ننجح فنفكر مين لازم يعرف، نحزن فنفكر هل نحكي. وبقينا، من غير ما نحس، نسأل نفسنا: «الناس هتشوفني إزاي؟» بدل «أنا حاسس بإيه؟». بقينا نقارن حياتنا الكاملة بلحظات مختارة من حياة ناس تانية، وننسى إن الصورة لا تحكي القصة كلها، وإن الشخص اللي بيضحك قدام الكاميرا ممكن يكون بيخوض معركة محدش شايفها. والسوشيال ميديا مش هي المشكلة في حد ذاتها؛ هي أداة ممكن نتعلم ونشتغل ونتواصل ونبني من خلالها شيئًا حقيقيًا. لكن المشكلة تبدأ لما يتحول الانتباه إلى هدف، ولما يبقى الوجع محتوى، والفضيحة تريند، والخلاف مادة للفرجة، والإنسان نفسه مجرد مشهد ينتظر الجمهور نهايته. وإحنا كمشاهدين جزء من الحكاية؛ كل فيديو بنقف عنده، وكل تعليق بنكتبه، وكل مشاركة بنعملها بتقول للمنصة: «هاتلي أكتر». وبالتالي، إحنا مش بس بنستهلك المحتوى، إحنا بنشارك في صناعة العالم اللي هتقدمه لنا بكرة.
Followers
عشان كده يمكن السؤال مش: مين المسؤول عن شكل السوشيال ميديا؟ يمكن السؤال الأصعب: إحنا نفسنا بقينا مين بسببها؟ هل بقينا نختار حياتنا على أساس اللي يشبهنا فعلًا، ولا على أساس اللي هيجيب مشاهدات؟ هل بقينا نفرح باللحظة نفسها، ولا باللحظة اللي الناس هتشوفنا فيها وإحنا بنفرح؟ يمكن محتاجين نحتفظ بمساحة صغيرة في حياتنا ما فيهاش كاميرا، ولا Followers، ولا Likes، ولا حاجة محتاجة تتشرح. حاجة نعيشها من غير ما نفكر مين هيشوفها، ونحبها من غير ما نحتاج نثبت إنها حصلت، ونحزن فيها من غير ما نحول وجعنا إلى محتوى. مش كل حاجة حلوة لازم تتصور، ومش كل نجاح لازم يتعلن، ومش كل علاقة لازم الجمهور يعرف تفاصيلها، ومش كل وجع لازم يتحول إلى Story. لأن الجمهور، مهما كبر، مش هيعيش مكاننا؛ هيتفرج، هيعلّق، وبعدين هينتقل لفيديو تاني. أما إحنا، فهنفضل هنا، نعيش نتائج اختياراتنا بعد ما ينتهي التصفيق ويختفي الترند. وعشان كده، يمكن قبل ما نفتح الكاميرا ونصور اللحظة الجاية، محتاجين نقف ثانية واحدة ونسأل نفسنا السؤال اللي محدش يقدر يجاوب عليه غيرنا: إنت عايش حياتك . ولا بتصورها؟








