و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

بين الطلاق والوصمة والوحدة وانعدام السند، آلاف النساء في مصر يواجهن السقوط وحدهن في صمت، الحادث الذي تعرّضت له إحدى البلوجرز مؤخرًا لا يجب النظر إليه كواقعة فردية تخص شخصًا بعينه، بل كجرس إنذار يكشف سؤالًا أكثر قسوة: ما الذي يدفع امرأة إلى التفكير في إنهاء حياتها؟ وما الذي يجعل الإنسان يصل إلى لحظة يرى فيها أن الاستمرار لم يعد ممكنًا؟

ومن المهم هنا التوقف عن الأحكام الجاهزة من نوعية "لو كانت أكثر تدينًا" أو "لو كانت أقرب إلى الله"، لأن الله وحده أعلم بما في القلوب، ولأن أحدًا لا يملك أن يحاكم إنسانًا لم يعش ظروفه أو يتذوق ألمه، ما يبدو من الخارج بسيطًا قد يكون في الداخل ثِقلًا لا يُحتمل.

القضية هنا ليست حالة فردية، بل ظاهرة تمس آلاف النساء في مصر ممن يعشن تحت ضغط نفسي واجتماعي واقتصادي قد يصل ببعضهن إلى حافة الانهيار، ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد بلغ عدد حالات الطلاق في مصر حوالي 265,606 حالة في عام 2023، ثم ارتفع إلى نحو 273,892 حالة في عام 2024، في مؤشر على استمرار تصاعد الظاهرة.

وهذا الرقم لا يعكس مجرد إحصاء رسمي، بل يشير إلى مئات الآلاف من القصص الإنسانية التي تبدأ بعد الطلاق لا التي تنتهي عنده، أي أن ما يقارب ربع مليون أسرة سنويًا تدخل في مرحلة إعادة تشكيل قاسية للحياة الاجتماعية والاقتصادية، في الوعي المجتمعي، كثيرًا ما تُختزل المطلقة في صورة نمطية قاسية، تُعامل فيها وكأنها فقدت قيمتها الاجتماعية أو الإنسانية، وكأن الطلاق نقص في الذات لا تجربة إنسانية معقدة، ومن هنا تبدأ المرحلة الأصعب: ما بعد الانفصال، حيث لا ينتهي الألم بل يبدأ بشكل مختلف وأكثر عمقًا.

هناك من يجدن أنفسهن بلا مأوى حقيقي، بعد أن يتغير شكل الحياة تمامًا، بيت الأسرة قد لا يكون متاحًا، إما لوفاة الوالدين أو لانشغال الإخوة بحياتهم، أو لعدم القدرة على العودة أصلًا، وهكذا تصبح المرأة في مواجهة مباشرة مع فراغ كامل: بلا سكن ثابت، بلا دخل منتظم، وبلا سند فعلي، ولا يقتصر هذا الواقع على فئة واحدة، فهناك نمطان يتكرران بشكل واضح: النمط الأول، امرأة انفصلت بعد زواج طويل ولديها أطفال، تتحمل وحدها عبء التربية والمصاريف والإيجار، في ظل بطء في إجراءات النفقة أو نزاعات قضائية ممتدة، وفي الوقت نفسه قد تواجه في سوق العمل ضغوطًا إضافية لأنها "مطلقة وتحتاج العمل"، ما يضاعف من هشاشتها النفسية والاجتماعية.

النمط الثاني: امرأة انفصلت دون أطفال، وهنا تتضاعف الوحدة بشكل مختلف؛ فهي لا تحمل مسؤولية أسرية تخفف من ثقل الفراغ، بل تجد نفسها في عزلة كاملة: بيت خالٍ، علاقات اجتماعية متغيرة، ومستقبل غير واضح، وفي كثير من الحالات تصبح أكثر عرضة للاستغلال أو الضغط النفسي، لأن وحدتها تُفسَّر خطأً على أنها ضعف يمكن استغلاله.

هاتان الحالتان ليستا استثناءً، بل صورتان متكررتان لواقع واحد: أن الطلاق في كثير من الأحيان لا ينهي أزمة، بل يفتح سلسلة جديدة من الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي بعض الحالات القصوى التي خرجت إلى العلن، شهد المجتمع وقائع مأساوية تعكس حجم الانهيار الذي قد يصل إليه بعض الأفراد تحت ضغط العجز الاقتصادي والوحدة وغياب الدعم، وهي أحداث مؤلمة لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي الأوسع الذي تعيشه بعض الأسر بعد الانفصال.

وإذا قررت المرأة أن تعمل لتأمين حياتها، تبدأ معركة أخرى لا تقل قسوة، فالعمل، الذي يُفترض أن يكون وسيلة للنجاة، قد يتحول أحيانًا إلى بيئة ضغط إضافية، حيث تتعرض بعض النساء — خاصة المنفصلات اللاتي يعشن وحدهن — لمضايقات أو تحرش لفظي أو استغلال نفسي أو مهني، في ظل خوف دائم من فقدان مصدر الدخل إذا اعترضن أو اشتكين، وفي غياب شبكة حماية اجتماعية حقيقية، يصبح البقاء في هذه البيئات القاسية خيارًا إجباريًا لا اختيارًا، ولو كانت هناك منظومة دعم قوية تشمل السكن أو المعاش أو الحماية الاقتصادية، لما اضطرت كثيرات إلى قبول هذا النوع من الظروف فقط من أجل البقاء.

أما على المستوى القانوني، فالمعاناة لا تقل حدّة، إذ تجد بعض النساء أنفسهن أمام نزاعات طويلة ومكلفة في قضايا النفقة والطلاق، تستنزف الوقت والمال والطاقة النفسية، رغم أن القانون ينظم حقوق النفقة والمسكن، إلا أن بطء الإجراءات وتعقيدها أحيانًا يجعل الوصول إلى هذه الحقوق رحلة شاقة ومجهدة، وهنا يبرز سؤال جوهري: أين منظومة الحماية الاجتماعية الكافية للمرأة المطلقة التي لا عائل لها؟ وأين الدعم الاقتصادي والسكني والنفسي الذي يضمن لها الحد الأدنى من الحياة الكريمة؟

ما نشهده ليس حالات فردية متفرقة، بل مؤشرات على خلل اجتماعي أعمق، فهناك نساء كثيرات يعشن في صمت تحت ضغط يفوق الاحتمال، وبعضهن ينهارن نفسيًا تحت وطأة العجز المادي والوحدة وغياب السند الحقيقي.

لقد قال الله تعالى: "الرجال قوامون على النساء بما أنفقوا"، لكن الواقع يطرح سؤالًا إنسانيًا بالغ الحساسية: ماذا تفعل المرأة التي لا تجد من ينفق عليها؟ وإلى من تلجأ إذا غاب الزوج، وغاب الأب، وغاب أي سند اجتماعي؟ وماذا لو لم تجد فرصة عمل مناسبة، أو وجدت نفسها مضطرة لقبول ظروف قاسية فقط لتأمين احتياجاتها الأساسية؟ ثم يأتي المجتمع في كثير من الأحيان ليصدر حكمًا عليها بدلًا من أن يسأل: كيف وصلت إلى هذا الموضع؟

الانهيار الانساني

قبل أن نحاسب الضحية، لا بد من مساءلة المنظومة التي تركتها وحدها، كم امرأة اليوم تتحمل الإهانة أو الضغط أو الاستغلال فقط لأن البديل هو الجوع أو التشرد؟، وفي بعض التجارب الدولية، توجد أنظمة دعم اجتماعي أكثر شمولًا للمرأة بعد الطلاق، تشمل دعمًا معيشيًا، وتنظيمًا أكثر استقرارًا للنفقة، وأحيانًا حلولًا سكنية أو دعمًا اقتصاديًا يضمن حدًا أدنى من الأمان خلال مرحلة ما بعد الانفصال.

هذه النماذج لا تُطرح للمقارنة أو المفاضلة، ولا من باب الانتقاص من أي مجتمع، وإنما كقراءة تحليلية تُظهر كيف يمكن لمنظومة حماية قوية أن تغيّر بشكل جذري مسار حياة المرأة بعد الطلاق، وتمنع حالات الانهيار الإنساني، والسؤال هنا ليس "من الأفضل"، بل: كيف يمكن تطوير منظومتنا بما يحقق الحد الأدنى من الأمان الإنساني؟

لقد طال الصمت، وأصبح من الضروري اعتبار هذه القضية أولوية مجتمعية وتشريعية، نحن بحاجة إلى تعزيز الدعم النقدي والمعاشات للفئات غير القادرة، وتوفير سكن آمن أو مدعوم، وتسريع إجراءات التقاضي، وتقديم دعم قانوني مجاني لغير القادرات، وتشديد الرقابة على بيئات العمل، وتوفير دعم نفسي وتأهيل اجتماعي للنساء المعرضات للانهيار.

هذه ليست مطالب رفاهية، بل حقوق أساسية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. فالمجتمع الذي يترك نساءه ينهارن في صمت، لا يمكنه أن يتحدث عن العدالة أو الاستقرار، أتمنى أن تصل هذه الكلمات إلى كل مسؤول وصاحب قرار، لأن ما يحدث لم يعد يحتمل التأجيل، ما يحدث ليس مجرد أزمة اجتماعية، بل جرح مفتوح في قلب المجتمع المصري.

تم نسخ الرابط