و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

أحيانًا لا تكون أكبر خسائرنا هزيمة في مباراة، بل ضياع حكاية كان يجب أن تُروى، بعد عودة المنتخب، لم أكن أنتظر حفلات تكريم، ولا كلمات مجاملة، ولا حتى إشادة بالإنجاز، كنت أنتظر شيئًا أهم، كنت أنتظر أن أجلس أمام الشاشة وأسمع من اللاعبين أنفسهم كيف عاشوا تلك الرحلة، ماذا حدث داخل غرف الملابس؟ كيف واجهوا الضغط؟ كيف استعدوا لكل مباراة؟ وما الذي تعلموه من الاحتكاك بمنتخبات العالم؟ كنت أريد أن أسمع عن كرة القدم، لأن هذا هو السبب الذي جعل ملايين المصريين يلتفون حولهم ويفتخرون بما قدموه.

لكن البرامج التي سارعت لاستضافة أبطال المنتخب أخذت الجمهور إلى حكاية أخرى، فبدلًا من أن تفتح لنا أبواب غرف الملابس، وتحكي لنا كيف صُنع هذا الإنجاز، انشغلت في كثير من الحلقات بأسئلة عن الرقص، والمواقف الطريفة، والعلاقات الأسرية، ومن ظهرت والدته على الشاشة، ومن أصبحت زوجته حديث مواقع التواصل.

وبين سؤال عن موقف عائلي، وآخر عن لقطة انتشرت على مواقع التواصل، غابت الأسئلة التي كان ينتظرها الناس: كيف واجهتم الضغط؟ ماذا دار بينكم قبل المباريات؟ وما الذي تعلمتموه من هذه الرحلة؟ فجأة لم تعد البطولة هي الحكاية، ولم يعد الإنجاز هو البطل، وكأن كل ما حدث داخل الملعب أصبح مجرد مقدمة لما حدث خارجه.

لا أكتب هذا لأنني ضد أن نرى الجانب الإنساني للاعبين، ولا لأنني أرفض أن يفرحوا أو يحتفلوا، على العكس، هذا حقهم، ومن حق الناس أن تقترب منهم، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نقترب من البطل، وبين أن ننسى سبب حبنا له من الأساس، لسنا بحاجة إلى أن نعرف كيف رقص الأبطال، بقدر حاجتنا إلى أن نعرف كيف صمدوا.

والمؤلم أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، حتى الاعتراض على طريقة تناول الإعلام للمنتخب تحول هو الآخر إلى تريند جديد، أصبح كل تريند يطارد تريندًا آخر، بينما الحكاية الأصلية تضيع في الزحام، انشغلنا بالرد على البرامج، ثم بالرد على من انتقدوا البرامج، حتى نسينا أصل القصة التي جمعت ملايين المصريين على قلب رجل واحد.

وكان بين أيدينا محمد صلاح، لاعب مصري وصل إلى أعلى مستوى في كرة القدم، وكان بين أيدينا أيضًا لاعبون عاشوا تجربة ستظل علامة فارقة في تاريخ الكرة المصرية، كانت لدينا فرصة حقيقية لنسمع منهم عن المسؤولية، وعن الخوف، وعن الضغط، وعن القرارات التي تُتخذ في ثوانٍ.

وعن الأخطاء التي تعلموا منها، وعن التفاصيل التي لا تنقلها الكاميرات، كان يمكن أن تتحول هذه اللقاءات إلى مصدر إلهام لكل لاعب ناشئ، ولكل شاب يحلم بأن يرتدي يومًا قميص منتخب مصر، لكن هذه الفرصة تراجعت أمام أسئلة تبحث عن لقطة تنتشر أكثر من بحثها عن تجربة تبقى.

أزمة ثقافة

لا أعرف إن كانت المشكلة أزمة ثقافة، أم سباقًا محمومًا وراء نسب المشاهدة، أم أن بعض البرامج أصبحت ترى أن قيمة الضيف تقاس بقدرته على صناعة الضجة، لا بقدر ما يحمله من تجربة تستحق أن تُروى، ولا أعرف إن كان الإعلام يقود ذوق الجمهور، أم أنه أصبح يلهث خلف ما يظن أن الجمهور يريده، حتى لو كان الثمن إهدار فرصة لا تتكرر كثيرًا.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا، كان لدينا إنجاز يستحق أن يتحول إلى درس، فتحول إلى تريند، وكان لدينا لاعبون يملكون خبرات كان يمكن أن تلهم جيلًا كاملًا، فانشغلنا بما يحقق مشاهدات أكثر، لا بما يترك أثرًا أكبر، الإعلام الحقيقي لا يصنع الضجيج، بل يصنع الوعي، لا يكتفي بأن يجعل الناس تشاهد، بل يجعلها تفهم، وتتعلم، وتخرج من كل تجربة وهي أكثر وعيًا مما كانت عليه.

ربما ينسى الناس أسماء البرامج، وربما ينسون معظم المقاطع التي تصدرت مواقع التواصل، لكنهم لن ينسوا أبدًا منتخبًا منحهم لحظات من الفخر، وأعاد إليهم الإيمان بأن الحلم لا يزال ممكنًا، التريند انتهى كعادته بعد أيام، أما الحكاية التي ضاعت، فلن تعود مرة أخرى.

تم نسخ الرابط