لن تكون هذه آخر مرة يلعب فيها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لعبته البدائية، والوصول بالتهديد العسكري إلى الذروة، وعلى طريقة: "سأضرب إيران بقوة لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية"، ثم يسحب تهديده بدعوى تدخل قادة خليجيين عرب، وبدعوى أن إيران نفسها توسلت إليه، وأن المفاوضات جارية مع طهران، التي تعهدت بتنفيذ فوري لشرطه الحازم: فتح "مضيق هرمز"، وكما في كل مرة من السوابق العشر المماثلة، نفت إيران أنها طلبت وقف الضربة الأمريكية التي هدد بها "ترامب"، وتوعد فيها بتدمير كل محطات الطاقة والكهرباء وتحلية المياه في كل إيران.
وهو ذات ما قاله في تهديد "ترامب" الشهير بمحو الحضارة الفارسية، ثم لعق تهديده وتراجع، ثم دخل في جولات مفاوضات مع إيران عبر وساطة "إسلام آباد"، انتهت إلى توقيع ما عُرف باسم "مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية"، التي وصفها "ترامب" بأنها انتصار عظيم، ووقع عليها بحماس إمبراطوري من "قصر فرساي" في فرنسا، ثم لم تكد تمر أسابيع، حتى لحس توقيعه عليها في قمة "الناتو" في "أنقرة"، وأعلن استئناف الضربات العسكرية على إيران، ووصل بالقصف إلى ذروته في "حرب الأسبوعين" أو "حرب الثلاثة عشر ليلة"، ثم أعلن وقف الضربات، وأنه يستعد لتنفيذ ضربة ساحقة ماحقة لكل شيء إيراني، ثم سحب تهديده مجددًا لإتاحة فرص التفاوض.
مذكرة التفاهم
وحين كذبه الإيرانيون رسميًا، وقالوا إنه لا توجد مفاوضات مباشرة مع واشنطن، وأن المفاوضات تجري فقط مع "سلطنة عمان" المشاطئة هي الأخرى ـ كما إيران ـ لـ"مضيق هرمز"، وأن هدف التفاوض هو البحث عن صيغة إيرانية ـ عمانية لإدارة المرور في المضيق، وحين بدا أن "إيران" و"عمان" على وشك الوصول لاتفاق ترتيبات، قفز "ترامب" على سطح الحوادث، وقال إن أمريكا هي التي كانت تفاوض إيران عبر وساطة عمانية.
ودفع "ترامب" وزير خارجيته "ماركو روبيو" ليقول شيئًا شبيهًا، وكذلك وزير الخزانة "سكوت بيسنت"، وكانت إيران، كعادتها، أذكى من "ترامب" في لعبة التفاوض، واعتبرت حماسه لنتائج المفاوضات مع "سلطنة عمان" وكأنه تسليم بها، واستأنفت طرح مطالبها في العودة لنصوص مذكرة التفاهم، واعتبار الاتفاق الإيراني ـ العماني كتفسير عملي وقانوني لنص البند الخامس حمال الوجوه في مذكرة التفاهم.
ورغم وجود جوانب غموض فيما تم الاتفاق عليه، فإن الخطوط العريضة لاتفاق "عمان" مع "إيران" تبدو انتصارًا إيرانيًا في أزمة "مضيق هرمز"، فالاتفاق لم يأت على ذكر واشنطن بحرف، وجعل تنظيم العبور في المضيق قسمة بين "طهران" و"عمان"، على أن تتحكم إيران في دخول السفن والناقلات إلى "مضيق هرمز"، ثم تبحر في مسار مشترك متفق عليه، ثم يأتي دور "سلطنة عمان" في تنظيم الخروج من المضيق.
وقد يكون من حق "إيران" و"عمان" أن يستفيدا من رسوم تأمين وخدمات ملاحية للسفن والناقلات في الدخول والخروج، ومن دون تسميتها برسوم عبور لا يجيزها قانون البحار الدولي، وكان "ترامب"، في واحدة من شطحاته قبل أسابيع، فقد أعلن أنه سيطلب "رسوم عبور" من السفن والناقلات بنسبة 20% من قيمة حمولاتها، ثم أعلن رغبته في جني هذه المبالغ من دول الخليج البترولية والغازية في صورة ما أسماه "استثمارات" بالداخل الأمريكي، بعد أن قيل له: إنك تطلب رسوم عبور بنسبة 20%، بينما كانت إيران تطلب رسومًا مماثلة لا تزيد قيمتها على 1% من قيمة ما تحمل السفن والناقلات.
وهكذا، ضربت إيران عدة عصافير بحجر واحد في مفاوضات "عمان"، فقد نفذت ما نص عليه البند الخامس في مذكرة التفاهم، وأجرت المشاورات المطلوبة مع "سلطنة عمان"، والأخيرة تمثل على نحو ما مصالح دول الخليج الأخرى، خاصة في "قطر"، التي تلعب أيضًا دور الوسيط بين طهران وواشنطن عبر وساطة "باكستان" الرئيسية، ثم إن الإيرانيين يفتحون الباب باتفاق فتح المضيق لمكاسب أكبر تخصهم، أهمها ما نصت عليه "مذكرة التفاهم" من إنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، ووقف العقوبات على تصدير البترول الإيراني، واسترداد أموال إيران المجمدة البالغة في مجموعها نحو 120 مليار دولار، والبدء في ترتيبات استرداد 24 مليار دولار منها.
ولم يكن لإيران أن تقلب موائد التفاوض على "ترامب"، لولا أن وقائع الميدان العسكري جاءت لصالحها، فلم تتوقف الهجمات الأمريكية في أي وقت خلال نحو ستة شهور مضت، ومع اشتداد المواجهات، بدا الصمود الإيراني العسكري مذهلًا في كل جولة، من "حرب الأربعين يومًا" إلى "حرب الأسبوعين"، ولجأت إيران إلى توسيع نطاق المواجهات واستنفار حلفاء إيران، خاصة جماعة "الحوثيين" في اليمن و"الجماعات الولائية" في العراق، وسددت ضربات صاروخية مؤثرة ضد القواعد الأمريكية في المنطقة، واستنزفت نسبًا كبيرة من صواريخ "توماهوك"، وصواريخ الدفاع الجوي "باتريوت" و"باك" و"ثاد" الأمريكية، وتساقط جنود وضباط أمريكيون في قواعد بالأردن وكردستان العراق.
وهو ما كان له أثره المباشر في تناقص مخزون الذخائر الأمريكية، وسد النقص الحاصل يستلزم سنوات، أو على الأقل شهورًا طويلة لإنتاج البديل في شركات السلاح الأمريكية، وبما أدى لاضطرار الجيوش الأمريكية لإعادة انتشار في قواعدها بالمنطقة، وسحب كثير من أصولها العسكرية إلى داخل قواعدها في كيان الاحتلال "الإسرائيلي" بالذات، وكانت تلك إشارات فهمتها إيران على أنها دليل على خواء تهديدات "ترامب" بضربة ساحقة ماحقة.
وتصرفت إيران على أساس ما بدا لها من حقائق عسكرية على الأرض، خصوصًا بعد فشل "ترامب" المتكرر عسكريًا في الاستحواذ على "مضيق هرمز"، سواء فيما أسماه "مشروع الحرية" لفتح المضيق بالقوة، وعجز هجمات "حرب الأسبوعين" عن تفكيك قبضة إيران في "هرمز"، ولأن التفاوض متصل بما يجري في ميادين القتال، كان مفهومًا أن تسبق الدبلوماسية الإيرانية بخطوات، وأن تستثمر المفاوضات مع "سلطنة عمان" في القفز على مطالب "ترامب"، والتوجه للعالم المتضرر من غلق المضيق بوجه جديد، حتى إن طهران لم تمانع في استقدام كاسحات ألغام أوروبية لتطهير المضيق من موارد الخطر.
وهكذا حشرت إيران "ترامب" في الزاوية البعيدة، وحرمته من فرصة كسب تعاطف الأوروبيين والآسيويين، أصحاب المصلحة في فتح مضيق يمر عبره خمس إمدادات العالم من الطاقة ومشتقاتها، ثم إن إيران كسبت ورقة تهديد إضافية في مضيق "باب المندب" عبر "الحوثيين"، وهو ما عزز من وضع "مضيق هرمز" كورقة استراتيجية خالصة بيد الإيرانيين، وجعل "قضية هرمز" تطغى على غيرها، وهو ما دفع "ترامب" نفسه للاعتراف علنًا بتأخير مفاوضات البرنامج النووي.
التخصيب النووي
وهكذا قلبت إيران سلم الأولويات حتى عند "ترامب"، وجعلت من القنبلة النووية الاقتصادية في "مضيق هرمز" أولوية تفوق ما عداها، وبما يمنحها وقتًا إضافيًا في بحث موضوعات برنامجها النووي، وإبداء مزيد من المماطلة والتشدد في أولوياتها بالنسبة للبرنامج النووي، وبالذات رغباتها المعلنة في الحفاظ على مبدأ التخصيب النووي، ورفض نقل كمية يورانيوم التخصيب العالي بنسبة تفوق الستين بالمئة، والتمسك بمعالجة وخفض تخصيب الكمية الأخطر ـ 450 كيلوجرامًا ـ على أراضيها.
وربما التصرف سرًا في يورانيوم التخصيب العالي، والاتجاه لصناعة قنابل ذرية منه في مواقع أكثر سرية وأشد تحصينًا من موقع "جبل الفأس" أو غيره، والتحلل من الالتزام بفتوى المرشد الراحل "علي خامنئي" بتحريم صناعة أسلحة نووية، وعلى قاعدة الضرورات التي تبيح المحظورات، والاستفادة بتجربة كوريا الشمالية، التي قفزت إلى صناعة القنابل الذرية، وتسعى لاستخدام الورقة الذرية لحماية أراضيها من أي عدوان أمريكي محتمل، وفي إيران الحالية اتجاهات تفكير مماثلة، تفترض أنه لو ملكت إيران قنابل ذرية، ما كانت أمريكا اعتدت عليها ولا "إسرائيل".
وفي أكثر من مرة، نبهنا إلى ما يمكن تسميته "الثغرة الإسرائيلية" في التفكير والعمل الإيراني العسكري، وقلنا إن استئناف الضربات الإيرانية ضد "إسرائيل" من لزوم ما يلزم دفاعًا عن إيران وقضيتها، فالحرب على إيران هي في الأساس "حرب إسرائيلية"، جرت وتجرى بجيوش أمريكية، ولا يعني تراجع "ترامب" عن ضربته الموعودة شيئًا أكيدًا، ولا اتجاهًا لا يقبل التراجع نحو تفاوض أو تسوية مع إيران، حتى لو جرى إحياء "مذكرة التفاهم" في النصوص أو في المضامين، فلا أحد يطمئن لكلام "ترامب"، حتى لو كان "ترامب" نفسه، واحتمال تجدد الحروب الأمريكية على إيران وارد جدًا، خصوصًا مع إخفاقات الرئيس الأمريكي المتوالية، وتحريض "بنيامين نتنياهو"، رئيس وزراء العدو "الإسرائيلي"، على استئناف حرب أوسع وأعنف من "غزة" إلى إيران.








