و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

أيًّا ما كان مصير مساعي الوسطاء في باكستان وفي قطر، فإن العودة للتفاوض الأمريكي الإيراني لن تؤدي غالبًا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران، ولا إلى تقليص ما جرى ويجري من اتساع نطاق المواجهة، خصوصًا بعد إخفاق هجمات القوات الأمريكية في تحقيق هدفها الأول بانتزاع السيطرة على "مضيق هرمز" من القوات الإيرانية، وإقدام طهران مجددًا على غلق المضيق عمليًا، وتقليل فرص عبور السفن والناقلات إلى أدنى حد، وحصر العبور في المسارات الإيرانية شمال المضيق، ثم اتجاه إيران والحلفاء "الحوثيين" إلى غلق انتقائي لمضيق "باب المندب"، أو ما أسمته سلطة "صنعاء" بفرض حظر على الملاحة السعودية عبر "باب المندب"، والبدء في التنفيذ بالفعل.

وهو ما دفع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" للإعلان عن نية التدخل حربيًا مجددًا ضد جماعة "الحوثي"، وهو ما قد يوحي بإمكانية تكرار حرب واشنطن ضد "الحوثي"، ومن وراء لافتات وأسماء لتحالفات بحرية، سواء في الفترة الأخيرة من إدارة الرئيس الأمريكي السابق "جو بايدن"، أو في الشهور الأولى من حكم إدارة "ترامب"، ومن دون تحقيق نتائج تُذكر، اللهم إلا الإعلان عن اتفاق أمريكي ضمني مع "الحوثي" بسعي من سلطنة "عمان" وقتها، ومن دون إلزام "الحوثي" وقتها بوقف هجماته على "كيان الاحتلال الإسرائيلي" بالصواريخ والمسيرات.

قواعد أمريكية

ربما الجديد السيئ هذه المرة، أن ردود فعل "الحوثي" الحربية على قصف أمريكي جديد محتمل على اليمن، لن تتوجه هذه المرة إلى "إسرائيل"، بل إلى السعودية، وهو أمر لا يبدو مفيدًا لإيران نفسها، التي سعت إلى "تسكين" الموقف السعودي، ولا يبدو من صالحها في هذا الوقت من المواجهة أن تستعدي السعودية بالكامل، وهو ما يظهر بوضوح في خرائط ضربات إيران الأخيرة على أراضي دول تستضيف قواعد أمريكية.

فقد ذهبت ضربات إيران إلى الأردن بعد الكويت والبحرين، ومن دون أن تمتد إلى السعودية، ولا إلى "إسرائيل" حتى وقت كتابة هذه السطور، وكف الضربات عن "إسرائيل"، ولو مؤقتًا، يضعف القيمة المعنوية للضربات الإيرانية، ويزيد التعقيد السلبي مع التوجه الحوثي الوارد لتوسيع الضربات ضد السعودية بالذات، ولأسباب يمنية مفهومة، بعد كسر تهدئة بين السعودية و"الحوثي" جرى الاتفاق عليها عام 2022، بعد حرب طاحنة استمرت لثماني سنوات قبلها، أعقبت استيلاء "الحوثي" على صنعاء وأغلب محافظات الشمال اليمني نزولًا إلى "الحديدة".

ولا نظن أن "إيران" مستعدة لمسايرة "الحوثي" إلى النهاية في حرب مجددة ضد ما يسمى "التحالف السعودي"، وقد يكون ذلك، إن حدث لا قدر الله، خطأً إيرانيًا كبيرًا في حسابات المواجهة الشاملة القائمة اليوم وغدًا، وقد يمكن تفهم دعوى إيران لقصف القواعد والمصالح الأمريكية أينما وجدت، لكن لا يمكن تفهم امتداد الضربات إلى منشآت مدنية بترولية وكهربائية ومحطات تحلية مياه في دول خليجية قريبة من إيران، كما لا يمكن تفهم انحسار الضربات الإيرانية ضد "كيان الاحتلال" رأسًا، حتى لو جرى ذلك لحسابات تكتيكية موقوتة.

فالحرب الجارية في مراحل متعددة عبر الخمسة شهور الأخيرة، هي في أصلها حرب "إسرائيلية" جرت وتجري بجيوش أمريكية، بينها جيش الاحتلال نفسه، وإذا كانت واشنطن تميل اليوم إلى تأخير المشاركة "الإسرائيلية" الرسمية المباشرة في الجولة الراهنة، فلا يصح لإيران أن تتصرف على أساس التكتيك الأمريكي، وأن تقصف ميناء العقبة "الأردني" ومطاره.

بينما تغض الطرف عن ميناء "إيلات" ومطار "رامون" "الإسرائيلي" على بعد كيلومترات قليلة، وفي مطار "رامون" أصول عسكرية أمريكية أخطر مما توجد في قاعدة "الأزرق" الأردنية، ففي مطار "رامون" حشد هائل من طائرات التزويد بالوقود الأمريكية، والأولى من زوايا السياسة والحرب أن تتوجه الضربات الإيرانية إلى قواعد أمريكا في "إسرائيل" أولًا، فوق أن "إسرائيل" في ذاتها هي أكبر قاعدة أمريكية في الدنيا كلها، والامتناع عن ضربها إيرانيًا يزيد في شراسة عدوان كيان الاحتلال على لبنان، وعلى "غزة" التي عادت إليها حرب الإبادة "الإسرائيلية" مجددًا.

ومن حق إيران، كدولة مهددة، أن تصوغ قوائم حساباتها وأولوياتها، وهي تواصل بالفعل صمودًا عسكريًا مذهلًا ضد هجمات الحرب الأمريكية الجديدة، وقد أفشل الصمود الإيراني هدف "ترامب" المباشر في انتزاع السيطرة على "مضيق هرمز"، وربما تتحوط "طهران" وقواتها لعمليات إنزال واستيلاء بري محتملة على جزر إيرانية في الخليج بالقرب من "مضيق هرمز"، والدفاع عن سيادة إيران على أراضيها وموانئها وجزرها الأهم، مما لا يماري في أولويته أحد، لكن إيلام العدو الأمريكي وتكبيده الخسائر في المعدات والجنود لا يكون فقط بقصف القواعد الأمريكية في دول خليجية وعربية، بل إن ضرب "إسرائيل" يظل هو الأوجع عسكريًا وسياسيًا.

وقد كان ذلك ظاهرًا في "حرب الاثني عشر يومًا" خلال يونيو 2025، ثم في "حرب الأربعين يومًا" الأولى بالحرب الجارية المتصلة إلى اليوم، وما من تناقض ظاهر في أن تواصل إيران حرصها على الاحتفاظ بورقة "مضيق هرمز"، وفي أن تستأنف ضرباتها الصاروخية ضد كيان الاحتلال "الإسرائيلي" بالوقت نفسه، وقد تظن دوائر إيرانية أنها بعدم المبادرة إلى ضرب "إسرائيل" تتوقى استعجال المشاركة "الإسرائيلية" الرسمية في الحرب المتسعة جغرافيًا اليوم، والتي لا يصح تضييع اتجاه "البوصلة" السياسية والحربية فيها، وما ينطبق على السلوك الإيراني يمتد بالطبائع إلى سلوك حلفاء إيران.

وجماعة "الحوثي"، مثلًا، قد لا تكسب كثيرًا على الصعيد الشعبي باستئناف الحرب ضد "السعودية" حصرًا، بقدر ما تكسب إذا أعادت توجيه "البوصلة" ضد كيان الاحتلال، وبما يعطي صمودها ضد ضربات أمريكية محتملة معنى أكثر إيجابية وشعبية، وقد كان ذلك ظاهرًا فيما مضى من جولات، فالعداء لكيان الاحتلال وأولويته على ما عداه هو الجامع الشعبي الأعظم عربيًا وإسلاميًا، حتى وإن حقق العدو الأمريكي "الإسرائيلي" اختراقات جديدة، وعلى نحو ما يجري اليوم في لبنان مع اتفاق الإطار الأمريكي "الإسرائيلي".

وقد كان الشهيد السيد "علي خامنئي" على وعي مميز بهذه الحقيقة الكبرى، وأنها الجامعة الكفاحية التاريخية بين الشعوب العربية والشعوب الإيرانية، ودفع السيد "خامنئي" حياته ثمنًا لقناعته الصحيحة تمامًا، وبدت مشاهد تشييعه المليونية الحارة عنوانًا ملخصًا لسيرة حياته وكفاحه. صحيح أن السيد "خامنئي" كان "إيرانيًا" بقدر ما كان "إسلاميًا" وإمامًا جامعًا للشرائط، ومن يحكمون إيران اليوم بعده، وأولهم نجله المرشد الجديد "مجتبى"، وقادة الحرس الثوري، يعلنون الوفاء والولاء المطلق لسيرة وكفاح السيد "خامنئي".

وقد كان الرجل محقًا في رسم تكتيك مواجهة الحرب الراهنة حتى قبل أن تبدأ، كان يقول: إنه حتى لو وجهت لنا أمريكا ضربة خاطفة، فسوف نرد على نحو شامل زمانًا ومكانًا، ونزيد تكلفة الحرب على العدو إلى أقصى حد، وما من معنى شامل للرد الإيراني مع استثناء "كيان الاحتلال" ولو مؤقتًا، وقد احتفظت إيران بأغلبية أسلحتها الصاروخية والمسيرة، وطورت في دقتها ومدياتها، وأبدت صمودًا مذهلًا كان مثار إعجاب أحرار المنطقة والدنيا كلها، وقد لا يجادل أحد اليوم في أولوية الدفاع عن السيادة الإيرانية على أراضيها، والدفاع المستميت عن مدنها وموانئها وجزرها ومنشآتها النووية، وكل هذا صحيح تمامًا وفي مكانه.

الضربات الإيرانية

وإن كان صحيحًا بذات القدر أن الضربات الإيرانية خارج الحدود يجب أن تتوجه أولًا إلى "كيان الاحتلال" وقواعد أمريكا المستقرة فيه، وضرب الكيان لا يثير جدلًا ولا نزاعًا في الآراء، كالتي نعيشها مع التركيز الإيراني على ضرب القواعد والمصالح الأمريكية في دول عربية مجاورة وبعيدة عن إيران، وقد أعلن "محسن رضائي"، المستشار العسكري للمرشد المتواري "مجتبى"، أن إيران لن تكتفي بردع الخطر الأمريكي ومصادره القريبة، وأنها ستطور ردها العسكري إلى الهجوم لا الدفاع فقط.

وقد بادرت "إيران" مرة إلى شن ضربات صاروخية على "إسرائيل" دون انتظار الهجوم أولًا من الكيان، ونتصور أن إيران مدعوة اليوم لتكرار المبادرة، وكما يقال في عقائد السلاح التاريخية الكبرى، فإن الهجوم كثيرًا ما يكون أفضل وسيلة للدفاع، والقيادة الإيرانية الدينية والعسكرية والسياسية تعي ذلك طبعًا، ولا تقصر في أداء الواجب الهجومي، وإن كانت الأهداف المختارة مثيرة لجدل لا ينتهي، بينما المبادرة الهجومية باتجاه كيان الاحتلال تجمع الآراء وتطفئ نيران الفتن، وتجيب مباشرة على حملات التشكيك في السلوك الإيراني الحربي، وأسئلة كثيرة من نوع: لماذا لا تضرب إيران أساطيل أمريكا في البحار القريبة؟ والسؤال الأخطر، فيما نظن، هو: لماذا لا تضرب إيران إسرائيل؟

تم نسخ الرابط