قد نكون بصدد فاصل دبلوماسي في حرب العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وربما بصدد هدنة موقوتة تستمر شهرا، وذلك بحسب مقترح لإدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، نقلته رئاسة الوزراء الباكستانية مؤخرا إلى طهران، مع لائحة شروط أمريكية من 15 نقطة، يتعلق أغلبها بتفكيك البرنامج النووي الإيراني، والوقف الصفري لتخصيب اليورانيوم، وتسليم أكثر من 400 كيلوجرام يورانيوم مخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة لوكالة الطاقة الذرية الدولية، والوقف الكامل لعمل المفاعلات النووية في "نطنز" و"أصفهان" و"فوردو".
إضافة لتقييد البرنامج الصاروخي الإيراني، والحد من مدى الصواريخ الباليستية بحيث لا تصل إلى كيان الاحتلال "الإسرائيلي"، وإنهاء دعم الجماعات الحليفة لإيران في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، والفتح الفوري لمضيق "هرمز" أمام الملاحة الدولية وناقلات البترول وسفن الغاز ومشتقاته، وباستثناء المطلب الأخير المستجد، لا تبدو لائحة الطلبات الأمريكية جديدة، فهى ذاتها التي كانت مطروحة قبل شن "واشنطن و"تل أبيب" للحرب الجارية صباح 28 فبراير 2026، ولا يتصور أحد أن تقبل طهران بها، فقد رفضتها في جولات مفاوضات "مسقط" و"جنيف" قبل الحرب، ولا يعقل أن تقبل بمناقشتها بعد أربعة أسابيع حرب، أبدت فيها طهران صمودا مذهلا، وطورت في الأسبوع الرابع ضرباتها الصاروخية على كافة مناطق كيان الاحتلال وقواعده ومصانعه العسكرية.
بدءا من موجة الصواريخ الإيرانية رقم 73، التي أدت لدمار مهول في مدينتي "عراد" و"ديمونة" في منطقة "النقب"، وعلى مقربة من مفاعل "ديمونة" النووي، وبدت فيها مقدرة الصواريخ "الفرط صوتية" و"الانشطارية" العنقودية المتفوقة على اكتساح طبقات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية "الإسرائيلية" والأمريكية، وهو ما تكرر قبلها وبعدها في ضربات مصافى "حيفا"، وفى ضربات ركزت على قلب كيان الاحتلال في "تل أبيب" الكبرى، وإلى أن باتت إيران تتحدث بثقة عن كسبها لسيادة جوية صاروخية في سماء الكيان، ربما في إشارة متحدية لتباهى الأمريكيين و"الإسرائيليين" بالسيادة المطلقة لقاذفاتهم في سماء إيران .
وفى أجواء الغليان الحربى ، خرج "ترامب" بإنذار كاسح وجهه إلى طهران، وأعطاها مهلة ليومين، يقوم بعدها بتدمير محطات الطاقة والكهرباء في عموم إيران، ويغرق البلد كلها في الظلام، ولم ينس "ترامب" أن يردد معزوفته الهزلية الصاخبة منذ اشتعلت الحرب، وأعلن أنه قام بمحو إيران من الخرائط بالكامل، وأن إيران لم تعد تملك لا قوات جوية ولا بحرية ولا دفاعات جوية، ولا قادة قتلوا جميعا بعمليات الاغتيال، ولم تكد مهلة "ترامب" تمضى إلى منتصفها، حتى ذهب الرجل البرتقالي "البهلواني" إلى مفاجأة في الاتجاه العكسي تماما، وأعلن أنه وجد القادة "المناسبين" في طهران، وقال أن إدارته تواصلت معهم، وأجرت معهم مفاوضات جادة وبناءة وإيجابية ومثمرة، وأنه قرر مد المهلة الموءودة إلى خمسة أيام أخرى انتهت توا.
مفاوضات مع ترمب
وبدأ الشروع في ترتيب جولة مفاوضات جديدة في "إسلام أباد" الباكستانية"، قيل أنها كانت من ثمار وساطات قامت بها حكومات مصر وتركيا وباكستان، وتبين أن ما أسماه "ترامب" مفاوضات مفصلة، كان مجرد اتصالات ونقل رسائل عبر الوسطاء غالبا، وهو ما ظهر في الردود الإيرانية التي نفت قطعيا إجراء مفاوضات مع "ترامب" والإدارة الأمريكية، وبلغت سخرية الإيرانيين من إعلان "ترامب" ذروتها، مع تعقيب صدر عن مقر "خاتم الأنبياء" الحربى الإيراني، الذى علق بالقول "ربما كان ترامب يفاوض نفسه"، في الوقت الذى كانت فيه الصحف والمواقع الإخبارية الأمريكية خاصة "أكسيوس"، تواصل كشف بعض الخفايا من الكواليس، وتتحدث عن اتصالات هاتفية دارت بين "عباس عراقجي" وزير الخارجية الإيراني و"ستيف ويتكوف" مبعوث "ترامب" المفضل إلى الشرق الأوسط.
وعرض عراقجي للمطالب الإيرانية الثلاثة، وهي وقف إطلاق النار وتعهد واشنطن بعدم العودة أبدا للحرب ودفع تعويضات لإيران، فيما راح "ترامب" يواصل الغوص في فقاعته الشخصية، ويوحى بتواصله المباشر مع زعيم إيراني ليس المرشد الجديد "مجتبى خامنئي"، الذي نسبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" "الإسرائيلية" إلى "عراقجي" قوله في اتصال مع "ويتكوف"، أن المفاوضين الإيرانيين حصلوا على موافقة ومباركة مجتبى "مادامت الشروط الإيرانية ستجرى تلبيتها".
والمعنى ببساطة في قصة الجولة الدبلوماسية الجديدة، أنه لا شيء في إيران يتم خارج إطار الطاعة للمرشد الجديد، لا في سياق الحرب ولا في جولات التفاوض، فهذه هي القاعدة الأولى في نظام الحكم الإيراني، الذى يمثل "مجتبى خامنئي" جوهر استمراريته، وإن كان مع ميل مضاف إلى تشدد يعرف عن "خامنئي الابن"، الذى يمتاز بعلاقات أوثق تربطه بمؤسسة "الحرس الثوري"، التي تقود الحرب ضد العدوان الأمريكي الصهيوني، وحتى "الزعيم" البديل الذى أشار إليه "ترامب"، وسربت اسمه دوائر لصيقة بالبيت الأبيض، وهو ـ على الأغلب ـ "محمد باقر قاليباف" رئيس مجلس النواب (الشورى) الإيراني، فقد خرج علنا ليبرئ نفسه وينفى أي اتصال جرى معه من قبل مسئولين أمريكيين.
وقد كان "قاليباف" من أوائل المبايعين بحماس للمرشد الجديد ، و"قاليباف" قيادي قديم في "الحرس الثوري" وعمل فيه كطيار حربى، وكان قائدا للقوة الجوية، ولعب دورا بارزا في تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني، وكان البعض يرشحه للحلول محل الراحل "على لاريجاني" الأمين العام لمجلس الأمن القومي، وإلى أن فاجأ "مجتبى" المتابعين بتعيين "محمد باقر ذو القدر" خلفا لعلى "لاريجاني"، بعد اغتيال الأخير بغارة "إسرائيلية" قتلته مع نجله وسكرتيره الشخصي، وكأن "مجتبى" المرشد المختفي عن الأنظار، أراد أن يؤكد اتساع وعاء اختياراته من القادة المتشددين مثله ، وذوو القدر" تماما مثل "قاليباف" ، من ذوى سوابق الخدمة المتقدمة في جهاز "الحرس الثوري"، وتوليته رئاسة "مجلس الأمن القومي"، توحى باستقرار نظام الحكم الإيراني، ورسوخ مؤسساته ، وبقاء مؤسسة المرشد فوق كل السلطات ، وبصلاحيات دينية ودنيوية جامعة بحسب الدستور الإيراني.
وفى ظل قيادة "مجتبى"، تنشأ نسخة جديدة من النظام الإيراني نفسه، قد تكون أكثر حيوية وأكثر تشددا، مع خامنئي الأصغر (56 سنة)، ويجرى اختبارها في أصعب موقف واجه نظام الثورة الإسلامية الإيرانية منذ قيامه عام 1979، وبعد الاغتيال الدامي لأطول مرشد بقاء في منصبه (على خامنئي المتوفى بعمر 86 سنة)، وهو ما تصور الأمريكيون و"الإسرائيليون"، أنها ستكون نهاية النظام الإيراني، وأن النظام سيتفكك بعد صدمة رحيل مرشده المهيب ، وأن "الموساد" "الإسرائيلي" سيدير ثورة جماهيرية إيرانية لإسقاط وإبادة النظام بعد قتل "خامنئي" الأب ، الذى ظل رئيسا للجمهورية ثم مرشدا أعلى لمدة قاربت الخمسين سنة ، وهى الفكرة "الجهنمية" التي أقنع رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" الرئيس الأمريكي "ترامب" بها ، وسحبه بإغراءاتها إلى المبادرة بإعلان الحرب على طهران، والبدء باغتيال "خامنئي الأب" وأسرته وعشرات من قادته العسكريين صباح السبت 28 فبراير الماضي.
ضربات صاروخية
وأثبتت الأيام والأسابيع الصعبة بعد الاغتيال المفاجئ الصاعق، أن الفكرة والخطة عظيمة السذاجة ، وتنصل منها "ديفيد بارنياع" رئيس "الموساد" نفسه، فالملايين التي خرجت للشوارع كانت من مؤيدي النظام الذى تجددت قمته تلقائيا، وسد الفراغات في صفوف قادته العسكريين، وبدأ المواجهة الحربية الكبرى بذكاء وبراعة، ونجح بعد الصمود المذهل في إلحاق الدمار بالمعتدين، وفتح ثغرات اتسعت في نظام الدفاع الجوي للعدو الأمريكي "الإسرائيلي" بالمنطقة، وتحطيم سلاسل "راداراته" الأغلى والأعظم تطورا تكنولوجيا، ونجح في الاحتفاظ بمخزون إيران الصاروخي، واستخدمه بتدرج وحنكة، وإلى أن استطاع توجيه ضربات صاروخية مزلزلة إلى قلب الكيان المحتل.
وقد يقال، وهو صحيح إلى حد معقول، أن "ترامب" يواصل الخداع "الاستراتيجي" البائس بمناورة المفاوضات الجديدة، التي رفضت إيران عناوينها بالجملة، بينما أمريكا تريد كسب الوقت لحشد آلاف الجنود تمهيدا لغزو برى، قد يبدأ من جزيرة "خارك" عاصمة تصدير البترول الإيراني في الخليج العربي، فسفن الأساطيل الأمريكية تحمل نحو عشرة آلاف جندي من نخبة "المارينز" والقوات الخاصة، ومن الفرقة 82 للقوات المحمولة جوا، ووصول هؤلاء قد يفتتح حرب الغزو البري والقضاء على النظام الإيراني ميدانيا، والحسبة تبدو عبثية.
فغزو بلد كإيران بريا، يحتاج إلى مليون جندي على الأقل، وجيوش إيران تبدو قادرة على خوض المعركة البرية إن جرت بكفاءة أكبر من معارك الجو والصواريخ والمسيرات، فيما لا يبدو "ترامب" مستعدا ولا قادرا على تحمل تكاليف الدم المريعة للمغامرة البرية، وهو ما عبر عنه "على أكبر أحمديان" ممثل المرشد "مجتبى " في مجلس الدفاع الإيراني، وعقب على أخبار إرسال آلاف الجنود الأمريكيين باتجاه إيران، وقال لهم في اشتياق وتوعد وتلمظ حربي كلمة واحدة هي "اقتربوا" (!).








