في عالم الغناء والشعر، ظهر الشعر السياسي المُغنى، الذي يمكن تلحينه وتحويله لأغنية يرددها القاصي والداني، وترددها الأجيال على مر الزمان، وكان من أشهر ذلك اللون الراحلين "الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم"، الجديد في عالم الغناء السياسي، هو غناء التصريحات الذي لم يتمتع به أحد من قبل، وربما من بعد، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتعدد المواهب فهو رجل الصفقات، ومانع الحروب بقوله "إنه منع 8 حروب"، والمرشح للحصول على جائزة نوبل للسلام، فهو صانع سلام بالقوة العسكرية وخطف رؤساء الدول، وتدمير البلاد التي لا تنصاع لرغباته، وداعم رئيسي وشرعي للإرهاب بدعمه الكامل لأبو محمد الجولاني قائد تنظيم جبهة النصرة لتولي رئاسة الجمهورية العربية السورية.
ودعم الكيان الصهيوني لإبادة غزة وجنوب لبنان، وفرض هيمنة الاحتلال على الضفة الغربية، وإفلاس ونهب دول الخليج إما من خلال مستعمراته المنتشرة بأراضيها، وجرها لحرب مع إيران لا ناقة لها فيها، سوى أنها قبلت بوجود قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية وفرنسية، وتحريض الشعوب ضد أنظمتها لتفكيكها والاستيلاء على مقدراتها، التي منحها الله تعالى لهم، كما حدث في فينزويلا، والحرب على إيران، ترامب يذكرني بمسرحية العواطف التي قام ببطولتها الفنان محمد عوض وعرضت عام 1963، وهي من إنتاج "فرقة المسرح الكوميدي" التابعة للمسرح القومي في ذلك الوقت، عندما كان لدينا دولة تهتم بالفن وتسعى لتقديم الراقي منه لتحسين ذوق الشعب.
قصة المسرحية كانت تدور في إطار كوميدي اجتماعي يتناول فكرة التزييف في المشاعر والعلاقات الإنسانية، من خلال شخصية المطرب الباكي التي جسدها الفنان الراحل محمد عوض، أما مسرحية مطرب التصريحات فهي تقوم على فكرة تتزيف الواقع، والكذب والتناقض، بهلوفه سمسار العقارات الذي يسعى لإغراء الدول الأخرى لمشاركته في مشاريعه للاستحواذ على مقدرات الشعوب بإقناعهم بخطورة من يعتدي عليه، ولابد أن يشاركوه المعركة كما يحدث مع إيران بحث الدول الأوروبية التي يراوغها في أوكرانيا، بادعائه بأنه "لو لم يلغ الاتفاق النووي لامتلكت إيران سلاحا نوويا وفجرت به الشرق الأوسط وقصفتنا"، وفي وقت سابق ليوم الإثنين (16 مارس 2026) أشار أنه لولا حربه لأطلقت إيران صواريخها النووية صوب أوروبا(!!)
الفنان الراحل محمد عوض في دور "المطرب الباكي" بمسرحية "مطرب العواطف" كان مقنعاً بتجسيد شخصية شاب تعبر عن طموحات ومشاكل الشاب المصري في الستينيات يبحث عن الحب والاستقرار وسط صراعات عائلية ومادية، ولكن بأسلوب ساخر وناقد.. فيما مطرب التصريحات «ترامب» يريد أن يقنعنا بكذبه الرصين المقتنع به هو شخصياً، كما قال يوم الإثنين (16 مارس 2026) "أكره الحروب لكننا سنحقق السلام عبر القوة"، وهي جملة غنائية جديدة في عالم الغناء السياسي.
علماً بأن المطرب الحقيقي، هو الذي يغني العاطفي والحزين والشجن، ويجعلك تصدقه في كل أغنية، وكذلك الممثل الذي يقنعك بأدواره الشريرة والعاطفية والكوميدية، بحكم عمله، وهي موهبة يمنحها الله تعالى لمن يشاء، لكن ترامب يبقى أبرع من يكذب، ويجعلك تضحك لأكاذيبه، بغناء تصريحات متناقضة للواقع، في مؤتمر صحفي (خلال شهر مارس 2026) أدعى ملكية إيران لصواريخ "توماهوك" وهي أسلحة أمريكية لا تمتلكها إيران "؟!"
كما تناقضت تصريحات مطرب التصريحات الداعي للسلام، حول حجم القوة العسكرية الإيرانية التي تم تدميرها في الضربات الأخيرة، بقوله "دمرنا 30 سفينة زرع ألغام في مضيق هرمز.. والولايات المتحدة أغرقت 100 سفينة حربية" ويوجه دعوة للدول لإرسال سفن لحماية مضيق هرمز.. يوم الإثنين (16 مارس 2026) قال "لست متأكدا مما إذا كانت أي ألغام قد زرعت في مضيق هرمز" فيما قال في وقت "إن إيران لغمت المضيق"، العجيب أن تقارير البنتاغون والمراقبين المستقلين تشير إلى أن عدد السفن الحربية الرئيسية في الأسطول الإيراني أقل بكثير من هذا الرقم، مما يجعل ادعاء "تدمير 100 سفينة" مبالغة غير واقعية تهدف لتضخيم الإنجاز العسكري.
أزمة سياسية
في تصريح لموقع "أكسيوس" الأمريكي (11 مارس 2026) غنى "لم يعد هناك أهداف لضربها. معلناً الانتصار، وقال في تجمع انتخابي بكنتاكي "لقد فزنا".. في اليوم التالي مباشرة، وخلال فعالية بالبيت الأبيض، غنى "إن الوضع يتحرك بسرعة، والنظام الإيراني يدفع ثمناً باهظاً"، دون تكرار نغمة أن الحرب انتهت أو أن الأهداف نفدت كما غنى في السابق، اللافت أيضاً في أغاني مطرب التصريحات، عدم التجانس مع الجوقة المصاحبة له، خاصة الكورال، في الوقت الذي يغني فيه، كما حدث يوم الإثنين 16 مارس 2026، "لقد قصفنا أكثر من 7000 هدف في إيران، يرد أحد أفراد الكورال النتن ياهو "لقد قصفنا 500 هدف" (؟!)
وفيما يغني "إيران هزمت تماماً وليس لديهم قوة عسكرية متبقية"، يرد وزير الحرب بيت هيغسيث "الضربات مجرد بداية، والأيام القادمة ستشهد ضربات أكثر كثافة، ولن نتوقف حتى تحقيق الهزيمة الحاسمة"، مما يعكس وجود فجوة كبيرة بين المطرب والكورال والعازفين، والتي وضحت أيضاً "إيران هزمت تماماً وليس لديهم قوة عسكرية متبقية"، ليرد العازفين (البنتاغون) "إيران لا تزال تطلق صواريخ والعمليات ستكثف"، وفي حفلاته الداخلية يكرر مقطع "هبوط التضخم بشدة"، وترد بيانات مكتب إحصاء العمل الأمريكي "الأسعار لا تزال ترتفع بنسب أعلى من المستهدف"، وعندما يغني مقطع "الدول الأجنبية هي من تدفع ثمن الرسوم الجمركية"، ترد التقارير الاقتصادية أن المستهلك الأمريكي يتحمل 95% من هذه التكاليف.
ببساطة وفي ظل هذا النشاز بين المطرب والجوقة، نكتشف أننا لا نعيش مجرد أزمة سياسية، بل نعيش مرحلة تزييف شامل للواقع، وتمجيد الأكاذيب، الفن القديم كان يطرح أسئلة وجودية واجتماعية حقيقية، أما الفن المعاصر كمسرحية ترامب مطرب التصريحات، فهي تزييف متقن للواقع، غابت معها معايير المصداقية والنزاهة، ومطربين التصريحات يدركون أن تصريحاتهم ليست معلومة، بل هي "نغمة" موجهة لجمهور محدد، ونحن لا نضحك لأننا مستهترون بالواقع، بل نضحك لأن هذا هو الرد العقلاني الوحيد على واقع لا يمكن تفسيره بالمنطق السياسي التقليدي.








